كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 5)

اصفَرَّتِ الشَّمسُ جدًّا (¬١)، فمن أدرَكَ ذلك فليصلِّ الصَّلاةَ لوقتها، فإنِ احتُبِس فليصلِّ معَهم، وليجعَلْ صَلاتَه وحدَه الفَريضَةَ، وصَلاتَه معَهم تطَوُّعًا.
وممَّا يدُلُّ على ذلك أنَّ الفُقهاءَ في ذلك الزَّمانِ كانُوا يُصلُّون معهم، ويأمُرون بذلك.
وروَى معمرٌ، عن رجُل، عن الحسن، وعن الزُّهريِّ، وعن قتادةَ، أنَّهم كانوا يصلُّون مع الأمراءِ وإن أخَّروا (¬٢).
ومعمرٌ، عن ثابتٍ، قال: خطَب الحجَّاجُ يومَ الجُمُعةِ فأخَّرَ الصَّلاةَ، فجعَل إنسانٌ يُريدُ أن يثِبَ إليه، ويحبِسُه الناسُ (¬٣).
وذكَر عبدُ الرزاقِ (¬٤)، عن ابنِ جريج، قال: قلتُ لعطاءٍ: أرأيتَ إمامًا يُؤخِّرُ الصَّلاةَ حتى يُصلِّيَها مُفرِّطًا فيها؟ فقال: صلِّ معهم، الجماعَةُ أحبُّ إليَّ (¬٥). قلتُ له: فما لك لا تنتَهِي إلى قولِ ابنِ مسعودٍ في ذلك؟ قال: الجماعةُ أحبُّ إليَّ ما لم تَفُتْ. قلتُ: وإنِ اصفرَّتِ الشمسُ للغُرُوبِ ولحِقَت برُءوسِ الجبالِ؟ قال: نعم، ما لم تغِبْ.
---------------
(¬١) يعني: يُصلُّون عند غروب الشَّمس. وهذا أحد المعنيين المذكورين في ذلك، وقيل: قوله: "شرَق الموتى" مأخوذٌ من قولهم شَرِقَ برِيْقِه؛ أي: غَصَّ به، فشبَّه قَلَّة ما بقيَ من الدُّنيا بما بقيَ من حياة الشَّرِق برِيْقِه إلى أن تخرُجَ نَفْسُه. ينظر: غريب الحديث للقاسم بن سلّام ١٢/ ٣٢٩ - ٣٣٠، والصحاح مادة (شرق).
(¬٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنّف ٢/ ٣٨٥ (٣٧٩٤).
(¬٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٢/ ٣٨٥ (٣٧٩٣). ثابت: هو البُنانيّ.
(¬٤) في المصنَّف ٢/ ٣٨٤ (٣٧٩٢). ابن جريج: هو عبد الملك بن عبد العزيز، وعطاء: هو ابن أبي رباح.
(¬٥) قفز نظر ناسخ ف ٢ إلى "إليّ" الآتية بعد، فسقط ما بينهما.

الصفحة 354