كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 5)
حلَّ وقتُ الظُّهرِ، وذلك ما لا خِلافَ فيه، وذلك تفسيرٌ لقولِه تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: ٧٨]. ودُلُوكُها ميلُها عندَ أكثرِ العلماء (¬١). ومنهم من قال: دُلُوكُها غروبُها (¬٢). واللُّغةُ مُحتمِلةٌ للقولينِ، والأوَّلُ أكثرُ. وكان مالكٌ يستحبُّ لمساجدِ الجماعاتِ أن يُؤخِّروا بعدَ الزَّوالِ حتى يكونَ الفيءُ ذراعًا، على ما كتَب به عمرُ بنُ الخطَّابِ إلى عُمَّالِه (¬٣).
واختلَفوا في وقتِ الجُمُعةِ؛ فرَوى ابنُ القاسم، عن مالكٍ: وقتُ الجُمُعةِ وقتُ الظُّهرِ، لا تجبُ إلَّا بعدَ الزَّوالِ، وتُصلَّى إلى غُروبِ الشمسِ. قال ابنُ القاسم: إن صلَّى من الجُمُعةِ ركعَةً، ثم غربتِ الشمسُ، صلَّى الرَّكعةَ الأُخرى بعدَ المغيبِ جُمُعةً (¬٤).
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، والحسنُ بنُ حَيٍّ (¬٥): وقتُ الجُمُعةِ وقتُ الظُّهرِ، فإن فات وقتُ الظُّهرِ بدُخُولِ وقتِ العصرِ لم تُصلَّ الجُمُعةَ.
قال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إن دخَلَ وقتُ العصر وقد بقيَ من الجُمُعةِ سجدةٌ أو قعدةٌ، فسَدتِ الجُمُعةُ، ويستقبلُ الظُّهرَ (¬٦).
---------------
(¬١) في ف ٢: "أهل العلم".
(¬٢) ينظر: تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٠٨ - ٣١٠، وجامع البيان لابن جرير الطبري ١٧/ ٥١٣ - ٥١٦، حيث رجّح ابن جرير ١٥/ ١٦ القول الأول: الدُّلوك: المَيْلُ.
(¬٣) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٣٧ (٦) عن نافع مولى عبد الله بن عمر، أنّ عمر بن الخطّاب كتب إلى عُمّاله؛ فذكره.
(¬٤) ينظر: المدوّنة ١/ ٢٣٩، والتهذيب في اختصار المدوَّنة ١/ ٣٢١، والتاج والإكليل لمختصر خليل ٢/ ٥١٨ - ٥١٩.
(¬٥) ينظر: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ١/ ١٩٦، والأمّ للشافعي ١/ ٢٢٣، والمجموع شرح المهذّب للنَّووي ٤/ ٥١١.
(¬٦) في ف ٢: "العصر". وينظر: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ١/ ١٩٦.