كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 5)
حتى يقوموا فيه؛ لأنَّ قيامَ الناس في شهرِ رمضانَ من الأمرِ الذي لا ينبغي تركُه، وهو ممَّا سَنَّ عُمرُ بنُ الخطَّابِ للمسلمين، وجمَعهم عليه (¬١).
قال اللَّيثُ: فأمَّا إذا كانت الجماعةُ، فلا بأسَ أنْ يقومَ الرَّجلُ لنفْسِه في بيتِه، ولأهلِ بيتِه (¬٢).
وحجَّةُ مَن قال بقولِ اللَّيثِ قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم بسنَّتي، وسنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِين المهديِّين بعدِي" (¬٣). ولا يختلِفون أنَّ عمرَ منهم، رضِيَ اللهُ عنهم.
وقال قومٌ من المتأخِّرين، مِن أصحابِ أبي حنيفةَ، وأصحابِ الشَّافعيِّ؛ فمنْ أصحابِ أبي حنيفةَ: عيسى بنُ أبان، وبكَّارُ بنُ قُتيبةَ، وأحمدُ بنُ أبي عِمرانَ، ومن أصحاب الشافعيِّ: إسماعيلُ بنُ يحيى (¬٤) المُزَنيُّ، ومحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الحكم (¬٥)، كلُّهم قالوا: الجماعةُ في المسجدِ في قيام رمضانَ أحبُّ إلينا، وأفضلُ مِن صلاةِ المرءِ في بيتِه. واحتجُّوا بحديثِ أبي ذرٍّ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ الرَّجلَ إذا قامَ مع الإمام حتى ينصرفَ حُسِبَ له قيامُ ليلةٍ". وقد ذكرنا هذا الحديثَ فيما تقدَّمَ مِن هذا البابِ (¬٦)، وإلى هذا ذهَب أحمدُ بنُ حنبل.
قال أبو بكرٍ الأثرمُ: كان أحمدُ بنُ حنبلٍ يُصلِّي مع الناسِ التَّراويحَ كلَّها - يعني
---------------
(¬١) نقله عنه الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء ١/ ٣١٣.
(¬٢) المصدر السابق ١/ ٣١٤.
(¬٣) سلف تخريجه في أثناء شرح الحديث الأوّل لابن شهاب عن عروة بن الزُّبير، ص ٣٦١.
(¬٤) في الأصل: "إسماعيل بن أبي يحيى"، خطأ، والمثبت من بقية النسخ، وينظر: تاريخ الإسلام ٦/ ٢٩٩.
(¬٥) نقله عنهم الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء ١/ ٣١٤، وينظر: المجموع شرح المهذّب للنَّووي ٤/ ٥ - ٦.
(¬٦) وقد سلف تخريجه قبل قليل.