كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 5)
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطَّانُ، عن حسينٍ المُعَلِّم، عن عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: لما فُتِحَت مكةُ على عهدِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، قام رجلٌ فقال: إنَّ فُلانًا ابني. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا دِعْوةَ في الإسلام (¬١)، ذهَب أمْرُ الجاهليَّةِ، الولَدُ للفِراشِ، وللعاهِرِ الأثلَبُ". قالوا: وما الأثلبُ؟ قال: "الحجَرُ" (¬٢).
قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ وجُوهٌ مِن الفقهِ، وأُصولٌ جِسامٌ؛ منها: الحُكْمُ بالظاهِرِ؛ لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - حكَم بالولَدِ للفِرَاشِ على ظاهِر حُكْمِه وسُنتِه (¬٣)، ولم يَلْتَفِتْ إلى الشَّبَه، وكذلك حَكَمَ في اللِّعان بظاهِرِ الحُكْم، ولم يَلْتفِتْ إلى ما جاءَتْ به بعدَ قولِه: "إن جاءَتْ بهِ كذا، فهو للذي رُمِيَتْ به". فجاءَتْ به على النَّعْتِ المكْرُوهِ (¬٤). ومن ذلك قولُه عليه السلامُ: "فأقضي له على نحوِ ما أسْمعُ منه" (¬٥).
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على ما كان عليه أهلُ الجاهِليَّةِ مِن استِلحاقِ أولادِ الزنى، وقد كان عمرُ بنُ الخطابِ رضي اللهُ عنه يُلِيطُ أولادَ الجاهليَّةِ (¬٦) بمَن ادَّعَاهم
---------------
(¬١) قوله: "لا دِعوةَ في الإسلام" الدِّعوة، بكسر الدال: ادِّعاء الولد، أي: لا دعوى نَسَب. ينظر: معالم السُّنن للخطابي ٣/ ٢٨٠، وعون المعبود للعظيم آبادي ٦/ ٢٦٣.
(¬٢) أخرجه أحمد في المسند ١١/ ٢٦٤ (٦٦٨١) عن يحيى بن سعيد القطان، به. وأخرجه أبو داود (٢٢٧٤) من طريق حسين بن ذكوان المعلّم، به. وإسناده صحيح.
(¬٣) في ج: "وسننه".
(¬٤) سلف تخريجه في سياق شرح حديث ابن شهاب الزُّهري عن السائب بن يزيد في موضعه.
(¬٥) أخرجه مالكٌ في الموطأ ٢/ ٢٥٩ (٢١٠٣) عن هشام بن عروة عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة زوج النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وسيأتي تمام تخريجه مع مزيد كلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.
(¬٦) أي: يُلحقهم بآبائهم. ينظر: أساس البلاغة للزمخشري ٢/ ١٨٩.