كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 5)

قال أبو عُمر: مالكٌ أحْسَنُ الناسِ سياقَةً لهذا الحديثِ، عن ابنِ شهابٍ، وفي حديثه معَانٍ قَصَّرَ عنها غيرُه، وكان أثبتَ الناسِ في ابنِ شهابٍ، رحِمهُ الله.
وفي حديثِ مالكٍ هذا (¬١)، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، مِن الفقهِ: أن التَّمَتُّعَ جائزٌ، وأنّ الإفرادَ جائِزٌ، وأنّ القِرَانَ جائِزٌ. وهذا لا خِلافَ فيه مِن (¬٢) أهلِ العِلم؛ لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - رَضِي كلًّا ولم يُنْكِرْه في حجَّتِه على أحَدٍ مِن أصحابِه، بل أجازَه لهم ورَضِيَه.
واختَلَف العلماءُ في ما كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - به مُحرِمًا يومئِذٍ وفي الأفضلِ مِن الثلاثةِ الأوجهِ؛ فقال منهم قائلونَ، منهم مالكٌ: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يومَئِذٍ مفرِدًا، والإفرادُ أفْضَلُ مِن القِرانِ والتَّمَتُّع. قال: والقِرانُ أفضلُ مِن التَّمَتُّع.
وروَى مالكٌ (¬٣)، عن عبدِ الرحمن بنِ القاسِم، عن أبيه، عن عائشةَ، وعن محمدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أفْرَد الحجَّ.
واحْتَجَّ أيضًا مَن ذهَب مَذْهَبَ مالكٍ في ذلك بما رَواه ابنُ عيينةَ وغيرُه، عن الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشة، في هذا الحديثِ، قالت: خَرَجنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "مَن أراد أن يُهِلَّ بحَجٍّ فلْيُهِلَّ، ومَن أراد أن يُهِلَّ بحَجٍّ وعمرةٍ فلْيُهِلَّ، ومَن أراد أن يُهِلَّ بعمرةٍ فلْيُهِلَّ". قالت عائشةُ: فأهَلَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالحَجِّ، وأهَلَّ به ناسٌ معه. وذكر الحديثَ (¬٤).
---------------
(¬١) في م: "وفي حديثه هذا".
(¬٢) في م: "بين"، والمثبت من الأصل.
(¬٣) في الموطأ ١/ ٤٥١ (٩٤٣). وهو الحديث الثاني لعبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، وسيأتي تمام تخريجه مع مزيد كلامٍ عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.
(¬٤) سلف تخريجه قبل قليل.

الصفحة 504