كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 5)

قال أبو عُمر: يريدُ مالكٌ أنه ليس عليه العمَلُ في رَفْضِ العُمرة؛ لأنَّ العَمَلَ عليه عندَه في أشياءَ كثيرة؛ منها: أنه جائز للإنسانِ أنْ يُهلَّ بعمرةٍ ويتَمتَّعَ بها. ومنها: أن القارِنَ يطوفُ طوافًا واحدًا، وغيرُ ذلك ممَّا فيه ما نذْكُرُه في هذا البابِ إن شاء الله.
وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه: المعتمِرَةُ الحائِضُ إذا خافَتْ فَوْتَ عرفةَ رفَضَتْ عُمْرَتَها وألغَتْها، وأهَلَّتْ بالحجِّ، وعليها لرَفْضِ عُمْرَتِها دَمٌ، ثم تَقْضي عمرةً بعدُ (¬١). وحُجَّتُهم في ذلك حديثُ ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، وحديثُ هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها في حديثها المذكورِ في هذا الباب: "دَعي عُمْرَتَك، وانقُضِي رأُسَكِ، وامْتَشِطي، وأهِلِّي بالحَجِّ". قالوا: ولا يُقاسُ بالزُّهريِّ وعروةَ أحدٌ في الحفْظِ والإتقانِ. قالوا: وكذلك روَى عكرمةُ، عن عائشة (¬٢)، وابنُ أبي مُلَيكَةَ، عن عائشةَ (¬٣). وزيادَةُ مثلِ الزهريِّ وهؤلاء مَقْبُولةٌ، وقد زادوا وذكَروا ما قَصَّرَ عنه غيرُهم وحذَفَه، وليس مَن قَصَّرَ عن ذِكْرِ شيءٍ ولم يذْكُرْه بحُجَّةٍ على مَن ذكَرَه.
قال عبدُ الرَّزَّاق: ذكَرْتُ للثوريِّ ما حدَّثنا معمرٌ، عن ابنِ أبي نَجِيح (¬٤)، عن مجاهدٍ، قال: قال عليٌّ رضي اللهُ عنه: إذا خَشِيَ المتمَتِّعُ فَوْتًا أهَلَّ بحَجٍّ في (¬٥) عُمْرتِه، وكذلك الحائضُ المعتمِرَةُ، تُهِلُّ بحَجٍّ في (¬٦) عُمْرَتِها. قال: وحدَّثنا
---------------
(¬١) ينظر: الأصل المعروف بالمبسوط لمحمد بن الحسن الشيباني ٢/ ٤١٥ - ٤١٧.
(¬٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٢٠٢ (٣٩٢٥)، والطبراني في الأوسط ٢/ ٣٤٢ (٢١٧٠) من طريقين عن عكرمة مولى ابن عباس عنها.
(¬٣) أخرجه البخاري (٢٩٨٤)، وابن حزم في حجة الوداع (٢٠٦) من طريق عثمان بن الأسود عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة عنها رضي الله عنها.
(¬٤) هو عبد الله بن نجيح المكي، ومجاهد: هو ابن جبر المكّي.
(¬٥) هكذا في الأصل، وهو الذي في الاستذكار أيضًا ١/ ٢٦١٠، وفي ج، ف ٢: "مع".
(¬٦) كذلك.

الصفحة 529