كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 5)

وقال أبو حنيفةَ: مَن أهَلَّ بحجَّتين، أو عمرتَيْن، لزِمَتاه، وصار رافِضًا لإحداهما حينَ يتوجَّهُ إلى مكةَ.
وقال أبو يُوسفَ: تلزَمُه الحجَّتانِ، ويصيرُ رافِضًا لإحداهما ساعتَئذٍ.
وقال محمدُ بنُ الحسنِ بقولِ مالكٍ والشافعيِّ: تلزَمُه الواحدَةُ إذا أهلَّ بهما جميعًا، ولا شيءَ عليه (¬١).
وقال أبو ثَوْرٍ: إذا أحْرَم بحجَّةٍ فليس عليه أن يضُمَّ إليها عمرةً، ولا يُدْخِلَ إحرامًا على إحرام، كما لا يُدْخِلُ صلاةً على صلاة (¬٢).
وفيه أيضًا: أنَّ القارِنَ يُجزِئُه طوافٌ واحدٌ، وسعيٌ واحدٌ (¬٣). وبهذا قال مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُهما، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور. وهو مذهبُ عبدِ الله بنِ عمرَ، وجابرِ بنِ عبدِ الله، وعطاء بنِ أبي رباح، وقولُ الحسنِ، ومجاهِد، وطاووس (¬٤).
وحُجَّةُ مَن قال بهذا القولِ حديثُ مالكٍ هذا، عن ابنِ شهاب، عن عروة، عن عائشة، وفيه قالت: إنَّ أصحابَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - الذين جمَعوا الحجَّ والعُمرةَ إنَّما طافوا طوافًا واحدًا. فإن قيل: إنَّ مَن روَى هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ لم يذكُرْ هذا فيه مِن قولِ عائشة. قيل له: إنَّ تَقْصيرَ مَن قصَّرَ عنه ليس بحُجَّةٍ على مَن حَفِظه، ومالكٌ أثْبَتُ الناسِ عندَ الناسِ في ابنِ شهابٍ، وقد ذكَره مالكٌ، وحَسْبُك به.
---------------
(¬١) ينظر: الأصل المعروف بالمبسوط لمحمد بن الحسن الشيباني ٢/ ٥٢٨، ومختصر اختلاف العلماء للطحاوي ٢/ ١٦٥.
(¬٢) نقله عنه ابن رشد في بداية المجتهد ٢/ ١٠٥، وقال ابن رشد: "وجمهور العلماء متفقون على إدخال المُحرِم الحجَّ على العُمرة، ويختلفون في إدخال العُمرة على الحجِّ".
(¬٣) قوله: "وسعي واحد" سقط من ج.
(¬٤) ينظر: شرح معاني الآثار للطحاوي ٢/ ١٩٧ بإثر الحديث (٣٩١٠) الآتي ذكره.

الصفحة 532