كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 5)
وقد أجمَع فقهاءُ الأمصارِ على أنَّ (¬١) التحريم بما يَشْرَبُه الغلامُ الرضيعُ مِن لبنِ المرأةِ وإن لم يَمُصَّه مِن ثَدْيِها، وإنَّما اختَلَفوا في السُّعُوطِ (¬٢) به، وفي الحقْنَةِ، والوَجُور (¬٣)، وفي جُبنٍ يُصْنَعُ له منه، بما لا حاجةَ لنا (¬٤) إلى ذكرِه هاهنا.
وروى ابنُ وَهْب، عن الليثِ، أنه قال: أنا أكْرَهُ رَضاعَ الكبيرِ أن أُحِلَّ منه شيئًا. وروى عنه كاتِبُه أبو صالح عبدُ الله بنُ صالح، أن امرأةً جاءته، فقالت: إنِّي أُريدُ الحجَّ، وليس لي محرَمٌ. فقال: اذْهَبي إلى امرأةِ رجلٍ تُرْضِعُك، فيكونُ زوجُها أبًا لكِ فتَحُجِّينَ معه (¬٥). وقال بقولِ الليثِ قومٌ؛ منهم ابنُ عُليَّة. وحُجَّةُ مَن قال بذلك حديثُ عائشةَ في قصةِ سالم وسَهلةَ، وفَتْواها بذلك، وعَمَلُها به.
حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ عمرَ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حرب، قال (¬٦): حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسم، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: جاءَتْ سَهلةُ بنتُ سُهيلٍ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: إنِّي لأرَى في وجهِ أبي حذيفةَ مِن دخولِ سالم عليَّ كراهيةً. قال: "فأرضعِيه". قالت: وهو شيخٌ كبيرٌ؟ فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أوَ لستُ أعلَمُ أنه
---------------
(¬١) "أن" من الأصل حسبُ.
(¬٢) أي: صبِّه في الأنف، ينظر: تاج العروس (سعط).
(¬٣) أي: صبِّه في وسط الفم أو في الحلق، يقال: أوجَرت المريض إيجارًا؛ أي: فعلتَ به ذلك. المصباح المنير (وجر).
(¬٤) في م: "بنا"، والمثبت من الأصل.
(¬٥) ذكر روايتي ابن وهب وأبي صالح عن الليث الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء ٢/ ٣١٥.
(¬٦) في الجزء الثاني من حديثه عن سفيان بن عيينة (٥).
وأخرجه الحميديّ في مسنده (٢٧٨)، وأحمد في المسند ٤٠/ ١٣٠ - ١٣١ (٢٤١٠٨) عن سفيان بن عيينة، به.
وهو عند مسلم (١٤٣٥) (٢٦)، وابن ماجة (١٩٤٣)، والنسائي (٣٣٢٠) من طرقٍ عن سفيان بن عيينة، به.