بسرًا الكتاب من مُعَاوِيَة بالكف عنهم، فكبر الناس. وقال بعضهم: كان مقام بسر بالبصرة ستة أشهر.
وكان المغيرة بْن شعبة صديقًا لزياد لكتابته له، ولأنه لما وجد «1» مع المرأة فشهد عليه الشهود كان زياد رابعهم، فلما نظر إليه عُمَر قَالَ: أرى رجلًا لا يفضح اللَّه- أو لا يخزي- به رجلًا من أصحاب محمد، فأحجم عَنْ قطع الشهادة حتى درأ عُمَر الحد عَنِ المغيرة، فدخل المغيرة «2» على مُعَاوِيَة فَقَالَ مُعَاوِيَةُ حين رآه.
إنما موضع سر المرء إن ... باح بالسر أخوة المنتصح
فإذا بحت بسر فإلى ... ناصح يستره «3» أو لا تبح
فَقَالَ له المغيرة: يا أمير المؤمنين إن تستودعني سرك تستودعه ناصحًا شفيقًا ووعاء «4» وثيقًا، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: شر الوطاء «5» العجز، أترضى أن يكون زياد وهو داهية العرب وقريع ذوي الرأي والحزم بمكانه؟ ما يؤمنني أن يبايع لبعض أهل هذا البيت فيعيدها «6» جذعة، واللَّه لقد بت ليلتي ساهرًا لذكري زيادًا واعتصامه بقلعة بأرض فارس، قَالَ المغيرة: فأذن لي فِي إتيانه آتك به، قَالَ: نعم فمضى جوادًا «7» حتى قدم على زياد، فلما رآه قَالَ: أفلح رائد، قَالَ: إليك ينتهي الخبر يا أبا المغيرة، أن الوجل منك قد استخف مُعَاوِيَة حتى بعثني إليك، وقد بايعه الحسن واجتمع عليه الناس، قَالَ: فأشر علي فإن المستشار مؤتمن «8» ، وارم الغرض الأقصى، قَالَ المغيرة: إن فِي محض الرأي بشاعة ولا خير فِي
__________
(1) قارن بفتوح البلدان: 344 والأغاني 14: 145 واليعقوبي 2: 166
(2) الطبري 2: 23 وابن الأثير 3: 354 والعقد 5: 6، والشعر أيضا في المرزباني: 368 منسوبا إلى المغيرة نفسه.
(3) المرزباني: يكتمه.
(4) الطبري والعقد: ورعا.
(5) س: الوطء.
(6) العقد: أعادها.
(7) جوادا: أي سريعا كالفرس الجواد (اللسان) .
(8) المستشار مؤتمن: ورد هذا في لباب الآداب: 333 وكنز العمال 3: 233 والجامع الصغير 2: 185 وأربع رسائل للثعالبي: 4 والطبري 2: 159 وأدب الدنيا والدين: 202.