كتاب تفسير السمعاني (اسم الجزء: 5)

{أفأنت تسمع الصم أَو تهدي الْعمي وَمن كَانَ فِي ضلال مُبين (40) فإمَّا نذهبن بك فَإنَّا مِنْهُم منتقمون (41) أَو نرينك الَّذِي وعدناهم فَإنَّا عَلَيْهِم مقتدرون (42) فَاسْتَمْسك} تَعَالَى مَنعهم التأسي بِمَا يسهل على الْإِنْسَان الْمُصِيبَة والعقوبة، فَإِنَّهُ إِذا كَانَ فِي مُصِيبَة فَرَأى غَيره فِي مثلهَا سهل عَلَيْهِ. والتأسي [التسلي] . قَالَت الخنساء فِي أَخِيهَا صَخْر:
(وَلَوْلَا كَثْرَة الباكين حَولي ... على إخْوَانهمْ لقتلت نَفسِي)
(وَمَا يَبْكُونَ مثل أخي وَلَكِن ... أعزي النَّفس [عَنهُ] بالتأسي)
وَقَوله تَعَالَى: {أفأنت تسمع الصم أَو تهدي الْعمي وَمن كَانَ فِي ضلال مُبين} أَي: لَا تسمع وَلَا تهدي.
وَقَوله تَعَالَى: {فإمَّا نذهبن بك فَإنَّا مِنْهُم منتقمون} فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا مَعْنَاهُ: فَإِنَّمَا نخرجنك من مَكَّة، فَإنَّا منتقمون مِنْهُم يَوْم بدر بِالْقَتْلِ والأسر.
وَالْقَوْل الثَّانِي: {فإمَّا نذهبن بك} يَعْنِي: بالوفاة، فَإنَّا منتقمون مِنْهُم بعْدك، وَيُقَال: يَوْم الْقِيَامَة.
قَوْله تَعَالَى: {أَو نرينك الَّذِي وعدناهم} قَالَ السدى: هَذَا فِي الْمُشْركين. وَقَالَ الْحسن وَقَتَادَة: هَذَا فِي أمته. " وروى أَن النَّبِي أرى فِي أمته بعض مَا يصيرون إِلَيْهِ، فَمَا رُؤِيَ ضَاحِكا نشيطا بعد ذَلِك إِلَى أَن فَارق الدُّنْيَا ".
وَفِي بعض التفاسير: أَنه مَا من نَبِي إِلَّا وأري النقمَة فِي أمته إِلَّا نَبينَا، فَإِن الله تَعَالَى لم يره النقمَة فِي أمته، وَقد كَانَ فِي أمته من النقمات، وَيكون إِلَى قيام السَّاعَة.
وَقَوله: {فَإنَّا عَلَيْهِم مقتدرون} أَي: قادرون.

الصفحة 104