كتاب تفسير السمعاني (اسم الجزء: 5)

{هم قوم خصمون (58) إِن هُوَ إِلَّا عبد أنعمنا عَلَيْهِ وجعلناه مثلا لبني إِسْرَائِيل (59) وَلَو نشَاء لجعلنا مِنْكُم مَلَائِكَة فِي الأَرْض يخلفون (60) وَإنَّهُ لعلم للساعة فَلَا تمترن} لأَنهم علمُوا أَن ابْن مَرْيَم لَا يدْخل النَّار وَعَلمُوا أَنه غير دَاخل فِي الْآيَة؛ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: {إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ} و " مَا " لمن لَا يعقل، لَا لمن يعقل.
وَقَوله: {بل هم قوم خصمون} أَي: مخاصمون بِغَيْر الْحق، وَقد ثَبت عَن النَّبِي بِرِوَايَة أبي أُمَامَة رَضِي الله عَنهُ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: " مَا ضل قوم بعد هدى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الجدل، ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: {مَا ضربوه لَك إِلَّا جدلا بل هم قوم خصمون} . وَالْمرَاد بِالْآيَةِ المجادلة بِالْبَاطِلِ لَا المجادلة فِي طلب الْحق أَو لبَيَان الْحق؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قد قَالَ فِي مَوضِع آخر: {وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن} .
قَوْله تَعَالَى: {إِن هُوَ إِلَّا عبد} يَعْنِي: عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَمَا عِيسَى ابْن مَرْيَم إِلَّا عبد {أنعمنا عَلَيْهِ} أَي: بِالنُّبُوَّةِ والآيات.
وَقَوله: {وجعلناه مثلا} أَي: عظة وعبرة لبني إِسْرَائِيل، وَيُقَال: جَعَلْنَاهُ مثلا لَهُم أَي: بشرا مثلهم.
وَقَوله: {وَلَو نشَاء لجعلنا مِنْكُم} أَي: بَدَلا مِنْكُم {مَلَائِكَة فِي الأَرْض يخلفون} أَي: تخلفكم، وَيُقَال: يخلف بَعْضكُم بَعْضًا.
قَوْله تَعَالَى: {وَإنَّهُ لعلم للساعة} مَعْنَاهُ. أَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام شَرط من

الصفحة 112