كتاب تفسير السمعاني (اسم الجزء: 5)
{توليتم أَن تفسدوا فِي الأَرْض وتقطعوا أَرْحَامكُم (22) أُولَئِكَ الَّذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أَبْصَارهم (23) أَفلا يتدبرون الْقُرْآن أم على قُلُوب أقفالها (24) إِن} اعْتِرَاض فِي الْكَلَام المنسوق على الأول.
وَقَوله: {فَإِذا عزم الْأَمر فَلَو صدقُوا الله لَكَانَ خيرا لَهُم} وَمعنى قَوْله: {فَإِذا عزم الْأَمر} أَي: جهد الْأَمر وَلزِمَ فرض الْقِتَال. {فَلَو صدقُوا الله} أَي: لَو وفوا بِمَا وعدوه من الْجِهَاد، وَقَابَلُوا أَمر الله بالامتثال لَكَانَ خيرا لَهُم.
قَوْله تَعَالَى: {فَهَل عسيتم إِن توليتم} فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: إِن توليتم ولَايَة أَي: كَانَت لكم ولَايَة. وَالثَّانِي: إِن توليتم عَن الْإِيمَان بالرسول وَبِالْقُرْآنِ أَي: أعرضتم، فَهَل يكون مِنْكُم سوى أَن تفسدوا فِي الأَرْض وتقطعوا أَرْحَامكُم؟ وَقيل على القَوْل الأول: أَنه قد كَانَ هَذَا فِي صدر الْإِسْلَام؛ فَإِن قُريْشًا لما توَلّوا الْأَمر أفسدوا فِي الأَرْض وَقَطعُوا الْأَرْحَام، وَذَلِكَ من قتل بني هَاشم قُريْشًا، وَقتل قُرَيْش بني هَاشم.
وَقَوله: {أُولَئِكَ الَّذين لعنهم الله} أَي: طردهم الله.
وَقَوله: {فأصمهم} أَي: جعلهم بِمَنْزِلَة الصم. وَقَوله: {وأعمى أَبْصَارهم} أَي: بِمَنْزِلَة الْعَمى.
قَوْله تَعَالَى: {أَفلا يتدبرون الْقُرْآن أم على قُلُوب أقفالها} التَّدْبِير: هُوَ التفكر وَالنَّظَر فِيمَا يؤول إِلَيْهِ عَاقِبَة الْأَمر.
وَقَوله: {أم على قُلُوب أقفالها} مَعْنَاهُ: بل على قُلُوب أقفالها، وَهُوَ على طَرِيق الْمجَاز، فَذكر القفل بِمَعْنى انغلاق الْقلب عَن فهم الْقُرْآن. وَفِي التَّفْسِير: " أَن النَّبِي كَانَ يقرئ شَابًّا هَذِه الْآيَة، فَقَالَ ذَلِك الشَّاب: بل على قُلُوب أقفالها حَتَّى يفتحها الله، فَقَالَ النَّبِي لَهُ: صدقت ".
وَعَن بَعضهم: مثل قفل الْحَدِيد على الْبَاب.
وَقَوله: {إِن الَّذين ارْتَدُّوا على أدبارهم من بعد مَا تبين لَهُم الْهدى} الْهدى هُوَ
الصفحة 181