كتاب تفسير السمعاني (اسم الجزء: 5)
{فَتَوَلّى بركنه وَقَالَ سَاحر أَو مَجْنُون (39) فأخذناه وَجُنُوده فنبذناهم فِي اليم وَهُوَ مليم (40) وَفِي عَاد إِذْ أرسلنَا عَلَيْهِم الرّيح الْعَقِيم (41) }
قَوْله تَعَالَى: {فَتَوَلّى بركنه} قَالَ ابْن عَبَّاس: بجمعه وَجُنُوده. وَعَن قَتَادَة: بقوته فِي نَفسه. وَعَن بَعضهم: برهطه الَّذين يتقوى بهم. وركن الشَّيْء مَا يتقوى بِهِ الشَّيْء، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى مخبرا عَن لوط عَلَيْهِ السَّلَام {أَو آوى إِلَى ركن شَدِيد} أَي: إِلَى رَهْط وَقوم أتقوى بهم، وَكَذَلِكَ هَاهُنَا أَيْضا مَعْنَاهُ: أعرض مُعْتَمدًا على رهطه وَقَومه الَّذين يتقوى بهم، وَقيل: تولى بركنه أَي: نأى بجانبه.
وَقَوله: {وَقَالَ سَاحر أَو مَجْنُون} قَالَ أهل الْعلم: هَذَا تنَاقض؛ لِأَن السحر لَا يكون إِلَّا بعقل كَامِل، وَالْمَجْنُون هُوَ الَّذِي لَا عقل لَهُ.
قَوْله تَعَالَى: {فأخذناهم وَجُنُوده فنبذناهم فِي اليم} أَي: (طرحناهم) وألقيناهم فِي الْبَحْر.
وَقَوله: {وَهُوَ مليم} يُقَال: ألام الرجل فَهُوَ مليم، إِذْ أَتَى بِمَا يلام عَلَيْهِ.
قَوْله تَعَالَى: {وَفِي عَاد إِذْ أرسلنَا عَلَيْهِم الرّيح الْعَقِيم} الرّيح الْعَقِيم هِيَ الرّيح الَّتِي لَا خير فِيهَا أصلا، كَأَنَّهَا لَا تلقح شَجرا، وَلَا تثير سحابا، وَلَا تَأتي بمطر. وَفِي بعض التفاسير: أَن الرّيح الْعَقِيم ريح محبوسة تَحت الأَرْض السَّابِعَة أرسل مِنْهَا على مِقْدَار منخر ثَوْر، حَتَّى أهلكت عَاد ودمرتهم، ثمَّ ردهَا إِلَى مَوضِع حَبسهَا. وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " نصرت بالصبا وأهلكت عَاد بالدبور ".
وَعَن سعيد بن الْمسيب وَالزهْرِيّ: أَنهم أهلكوا بالجنوب، فَقيل لسَعِيد: إِن الْجنُوب تَأتي بِالرَّحْمَةِ، فَقَالَ: إِن الله يصرفهَا كَيفَ يَشَاء.
وَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: الرّيح الْعَقِيم هِيَ النكباء.
الصفحة 260