كتاب تفسير الثعالبي = الجواهر الحسان في تفسير القرآن (اسم الجزء: 5)
الفِعْل، أي: فاضربوا رقابهم وعَيَّنَ مِنْ أنواع القَتْلِ أَشْهَرَهُ، والمراد: اقتلوهم بأَيِّ وجه أَمكَنَ وفي «صحيح مسلم» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلهُ في النَّارِ أبدا» «1» .
وفي «صحيح البخاري» عنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَا اغْبَرَّتْ/ قَدَمَا عَبْدٍ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ» «2» انتهى.
والإثخان في القوم أنْ يكثر فيهم القتلى والجرحى، ومعنى: فَشُدُّوا الْوَثاقَ أي:
بمن لم يُقْتَلْ، ولم يترتَّب فيه إلاَّ الأسْرُ، ومَنًّا وفِدَاءً: مصدران منصوبانِ بفعلَيْن مُضْمَرَيْنِ.
وقوله: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها معناه: حتى تذهبَ الحربُ وتزولَ أثقالُهَا، والأوزار: الأثقال ومنه قول عَمْرِو بنِ مَعْدِ يكرِبَ: [من المتقارب]
وَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا ... رِمَاحاً طِوَالاً وَخَيْلاً ذُكُورَا «3»
واختلف المتأولون في الغاية التي عندها تضع الحربُ أوزارها، فقال قتادة: حتى يُسَلِّمَ الجميعُ «4» ، وقال حُذَّاقُ أهل النظر: حتى تغلبوهم وتَقْتُلُوهُمْ، وقال مجاهد: حتى ينزلَ عيسى ابْنُ مَرْيَمَ «5» ، قال ع «6» : وظاهر اللفظ أَنَّهُ استعارةٌ يُرَادُ بها التزامُ الأمْرِ أبداً وذلك أَنَّ الحربَ بين المؤمنين والكافرين لا تضع أوزارها، فجاء هذا كما تقول: أنا أفعل كذا وكذا إلى يَوْمِ القيامةِ، وإنَّما تريد أنّك تفعله دائما.
__________
(1) أخرجه مسلم (3/ 1505) كتاب «الإمارة» باب: من قتل كافرا ثم سدد، حديث (130/ 1891) ، وأحمد (2/ 397) ، والبيهقي (9/ 165) من حديث أبي هريرة.
(2) أخرجه البخاري (6/ 35) كتاب «الجهاد والسير» باب: من اغبرت قدماه في سبيل الله، وقول اللَّهَ عَزَّ وجلَّ: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ- إلى قوله- إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة: 120] (2811) ، والبيهقي (9/ 162) كتاب «السير» باب: فضل المشي في سبيل الله.
(3) البيت للأعشى ميمون بن قيس، وهو في «ديوانه» (71) ، «مشاهد الإنصاف» (1/ 251) ، «التهذيب» (13/ 244) (وزر) ، «اللسان» (وزر) ، و «البحر المحيط» (8/ 75) منسوبا لعمرو بن معدي كرب، وقال: أنشده ابن عطية لعمرو هذا، وأنشده الزمخشري للأعشى. ينظر: «الكشاف» (4/ 317) ، و «الدر المصون» (6/ 147) .
(4) أخرجه الطبري (11/ 308) برقم: (31354- 31355) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، وذكره ابن كثير (4/ 173) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 21) ، وعزاه إلى عبد بن حميد.
(5) أخرجه الطبري (11/ 308) برقم: (31353) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، وابن كثير (4/ 183) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 21) ، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد.
(6) ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 111) .