كتاب تفسير الثعالبي = الجواهر الحسان في تفسير القرآن (اسم الجزء: 5)
كثيرة، والمراد بذلك عَقْدُ القلب وحكمه على غيره بالسوء، فأَمَّا الخواطر وحديث النفس، إذا لم يستقر، ويستمر عليه صاحبه- فَمَعْفُوٌّ عنه باتفاق العلماء لأَنَّهُ لا اختيارَ له في وقوعه، ولا طريقَ له إلى الانفِكاك عنه، انتهى.
قال أبو عمر في «التمهيد» : وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «حَرَّمَ اللَّهُ مِنَ المُؤْمِنِ دَمَهُ، وَمَالَهُ، وعِرْضَهُ، وأَلاَّ يُظَنَّ بِهِ إلاَّ الْخَيْرَ» «1» انتهى، ونقل في موضع آخر بسنده: أَنَّ عمر بن عبد العزيز كان إذا ذُكِرَ عنده رجل بفضل أو صلاح قال: كيف هو إذا ذُكِرَ عنده إخوانه؟ فإنْ قالوا: إنَّه يتنقَّصهم، وينالُ منهم، قال عمر: ليس هو كما تقولون، وإنْ قالوا:
إنَّه يذكر منهم جميلاً وخيراً، ويُحْسِنُ الثَّنَاءَ عليهم، قال: هو كما تقولون إن شاء اللَّه، انتهى من «التمهيد» ، وروى أبو داودَ في «سننه» عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم/ قال: «حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ» «2» انتهى. وقوله تعالى: وَلا تَجَسَّسُوا أي: لا تبحثوا عن مخبَّآت أمور الناس، وادفعوا بالتي هي أحسن، واجتزءوا بالظواهر الحسنة، وقرأ الحسن وغيره: «وَلاَ تَحَسَّسُوا» بالحاء المهملة قال بعض الناس: التَجَسُّسُ بالجيم في الشَّرِّ، وبالحاء في الخير، قال ع «3» : وهكذا ورد القرآن، ولكن قد يتداخلان في الاستعمال.
__________
«الأدب» من وجهين عن أبي هريرة، وقد أخرجه (10/ 106) كتاب «النكاح» باب: لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع (5143) موصولا عن أبي هريرة، وأخرجه أيضا (10/ 496) ، كتاب «الأدب» باب: ما ينهى عن التحاسد والتدابر، وقوله تعالى: وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (6064) ، (10/ 499) ، كتاب «الأدب» باب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وَلا تَجَسَّسُوا (6066) ، (12/ 6) كتاب «الفرائض» باب: تعليم الفرائض رقم: (6724) ، وأبو داود (2/ 697) كتاب «الأدب» باب: في الظن برقم: (4917) ، والترمذي (4/ 356) كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في ظن السوء (1988) ، وأحمد (2/ 245، 287، 312، 342، 465، 470، 472، 491، 492، 504، 517، 539) ، وابن حبان (12/ 499- 500) ، كتاب «الحظر والإباحة» باب: الاستماع المكروه، وسوء الظن، والغضب والفحش، ذكر الزجر عن سوء الظن بأحد المسلمين (5687) ، ومالك (2/ 907- 908) كتاب «حسن الخلق» باب: ما جاء في المهاجرة (150) ، والبيهقي (6/ 85) كتاب «الإقرار» باب: ما جاء في إقرار المريض لورثته (7/ 180) كتاب «النكاح» باب: لا يخطب الرجل على خطبة أخيه إذا رضيت به المخطوبة أو رضي به أبو البكر حتى يأذن أو يترك، (8/ 333) كتاب «الأشربة والحد فيها» باب: ما جاء في النهي عن التجسس، (10/ 231) كتاب «الشهادات» باب: شهادة أهل العصبية.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(1) أخرجه الطبراني (11/ 37) برقم: (10966) .
(2) أخرجه أبو داود (2/ 716- 717) كتاب «الأدب» باب: في حسن الظن (4993) ، والحاكم (4/ 256) ، وأحمد (2/ 407، 491) ، وابن حبان (8/ 30- 31) - الموارد (2395) ، وابن حبان (2/ 399) كتاب «الرقائق» باب: حسن الظن بالله تعالى، وذكر البيان بأن حسن الظن للمرء المسلم من حسن العبادة (631) .
(3) ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 151) .