كتاب تفسير الثعالبي = الجواهر الحسان في تفسير القرآن (اسم الجزء: 5)
وقوله تعالى: وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا ... الآية: أمر بأَنْ يؤتى الكُفَّارُ مهورَ نسائهم التي هاجرنَ مؤمناتَ، ورفع سبحانه الجناحَ في أَنْ يتزوجنَ بصدقاتٍ هي أجورهِن، وأمر المسلمين بفراق الكافراتِ وأَلاَّ يتمسكوا بعصمهن، فقيل: الآية في عابداتِ الأوثان ومَنْ لا يجوزُ نكاحُها ابتداءً، وقيل: هي عامَّةٌ نُسِخَ منها نساءُ أهل الكتاب، والعِصَمُ: جمع عِصْمَة، وهي أسباب الصحبة والبقاء في الزوجية، وأمر تعالى أَنْ يسأل أيضاً المؤمنون: ما أنفقوا؟ فرُوِيَ عنِ ابن شهاب أَنَّ قريشاً لَمَّا/ بلغهم هذا الحكم، قالوا: نحن لا نرضى بهذا الحكم، ولا نَلْتَزِمُهُ، ولا ندفع لأحد صَدَاقاً، فنزلت بسبب ذلك هذه الآيةُ الأخرى: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ ... الآية: فأمر اللَّه تعالى المؤمنين أنْ يدفعوا إلى مَن فَرَّتْ زوجتُه ففاتتْ بنفسها إلى الكُفَّارِ صَدَاقَهُ الذي أنفق، واخْتُلِفَ: مِنْ أَيِّ مَالٍ يُدْفَعُ إليه الصَّدَاقُ؟ فقال ابن شهاب «1» : يُدْفَعُ إليه من الصدقات التي كانت تُدْفَعُ إلى الكفار بسبب مَنْ هاجر من أزواجهم، وأزال اللَّه دفعها إليهم حين لم يرضوا حكمه، قال ع «2» : وهذا قول صحيح يقتضيه قوله: فَعاقَبْتُمْ وقال قتادة «3» وغيره: يُدْفَعُ إليه من مغانم المغازي، وقال هؤلاء: التعقيب هو الغزو والمغنم، وقال ابن شهاب «4» أيضاً: يدفع إليه مِنْ أيِّ وجوه الفيء أمكن، والمعاقبة في هذه الآية ليستْ بمعنى مجازاة السوء بسوءٍ، قال الثعلبي: وقرأ مجاهد: «فَأَعْقَبْتُمْ» «5» وقال: المعنى: صنعتم بهم كما صنعوا بكم، انتهى، قال ع «6» : أي: وذلك بأنْ يفوت إليكم شيء من أزواجهم، وهكذا هو التعاقب على الجَمَلِ والدَّوَابِّ أنْ يركبَ هذا عقبة وهذا عقبة، ويقال: عاقب الرجلُ صاحِبَه في كذا، أي: جاء فِعْلُ كُلِّ واحد منهما بعقب فعل الآخر، وهذه الآية كلّها قد ارتفع حكمها.
__________
(1) أخرجه الطبري (12/ 71) ، برقم: (33994) ، وذكره ابن عطية (5/ 298) ، وابن كثير في «تفسيره» (4/ 293) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 309) ، وعزاه لعبد بن حميد، وأبي داود في «ناسخه» ، وابن جرير، وابن المنذر.
(2) ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 298) .
(3) أخرجه الطبري (12/ 72) ، برقم: (34000) ، وذكره ابن عطية (5/ 298) ، وابن كثير في «تفسيره» (4/ 293) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 309) ، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد. [.....]
(4) أخرجه الطبري (12/ 72) ، برقم: (34003) ، وذكره ابن عطية (5/ 298) ، وابن كثير في «تفسيره» (4/ 352) .
(5) وقرأ بها الحسن.
ينظر: «مختصر الشواذ» ص: (156) ، و «المحتسب» (2/ 320) ، و «المحرر الوجيز» (5/ 298) .
(6) ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 298) .