كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (اسم الجزء: 5)

عليه، ولهذا لما سأل إبراهيم الخليل ربَّه تعالى أن يُرِيَه كيف يحيى الموتى، لم يُنكر عليه، ولما سأل عيسى ابن مريم ربه إنزال المائدة من السماء، لم ينكر عليه (¬1)، ولمَّا سأل نوحٌ ربَّه نجاه ابنه، أنكر عليه سؤاله، وقال: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} [هود: 46، 47].
الوجه الثالث: أنه أجابه بقوله: {لن تَرَاني}، ولم يقل: إنِّي لا أُرى، ولا: إني لست بمرئيٍّ، ولا يجوزُ رؤيتي. والفرق بين الجوابين ظاهرٌ لمن تأمَّله، وهذا يدل على أنه سبحانه مرئيٌّ، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته (¬2) في هذه الدَّار لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى. يوضحه (¬3) ....
الوجه الرابع: وهو قوله: {وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} [الأعراف: 143]، فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت لتجلِّيه في هذه الدَّار، فكيف بالبشريِّ (¬4) الضعيف الذي خُلِقَ من ضعفٍ.
الوجه الخامس: أن الله سبحانه قادرٌ على أن يجعل الجبل مستقرَّاً مكانه، وليس هذا بممتنع (¬5) في مقدوره، بل هو ممكن، وقد علَّق به الرؤية، ولو كانت مُحالاً في ذاتها، لم يعلِّقها بالممكن في ذاته، ولو كانت الرؤية مُحالاً، لكان ذلك نظير أن يقول: أن استقرَّ الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام، فالأمران عندكم سواءٌ.
الوجه السادس: قوله سبحانه: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} وهذا
¬__________
(¬1) في (ب): عليه سؤاله.
(¬2) في (ش): ولا رؤيته.
(¬3) في (أ): لو صحت.
(¬4) في (ش) و" حادي الأرواح ": بالبشر.
(¬5) في (ب): الممتنع.

الصفحة 107