كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (اسم الجزء: 5)
إنِّي إليك لما وَعَدْتَ لَنَاظِرٌ ... نَظَرَ الفقيرِ إلى الغَنِيِّ المُوسِرِ (¬1)
فإن قيل: إن النظر إذا عُلِّق بالوجه، وعدي بـ " إلى "، كيف يراد به الانتظار؟
قلنا: إن ذلك غير ممتنعٍ، وعلى هذا قول الشاعر:
وجوه يوم بدر ناظرات ... إلى الرحمن يأتي بالخلاص
على أن " إلى " في الآية -على ما قيل- ليس بحرف جرٍّ ولا حرف التعدية، وإنما، هو واحد الآلاء التي هي النعم، فكأنه تعالى قال: وجوهٌ يومئذٍ ناضرة، نعمة (¬2) ربها ناظرة أي منتظرة، ونِعمَه مترقِّبة.
وقد أجاب شيخنا أبو عبد الله البصري بأن النظر إذا كان بمعنى تقليب الحدقة الصحيحة تعدَّى بـ " إلى " وكذلك إذا كان بمعنى الانتظار، ولا يمتنعُ أن يُعدّى بـ " إلى "، لأن المجازات يُسلك بها مسلك الحقائق، وهذه إشارةٌ إلى أن النظر بمعنى الانتظار مجازٌ، وحقيقته (¬3): تقليب الحَدَقَة الصحيحة، وليس كذلك، لأن النظر لفظةٌ مشتركةٌ بين معانٍ كثيرةٍ على ما مرّ.
وبعد: فإذا جاز تعليق (¬4) النظر بالعين، ويراد به الانتظار، جاز أن يُعلَّق بالوجه أيضاً، ويُراد به الانتظار. ومعلوم أنهم يعلقون (¬5) النظر بالعين، ويُعدُّونه بـ " إلى "، ويريدون به (¬6) الانتظار. وعلى هذا قال (¬7) الشاعر:
يَراه على قُرْبِ وإن بَعُدَ المدى ... بأعيُنِ آمالٍ إليك نَوَاظِرِ
على أن الوجه ها هنا ليس بمقصودٍ، وأن المقصود صاحب الوجه، كما قال
¬__________
(¬1) أنشده القرطبي في " الجامع لأحكام القرآن " 19/ 109، ولم ينسبه لأحد.
(¬2) في " شرح الأصول ": آلاء.
(¬3) في (ب): وحقيقة.
(¬4) في (ج) و (د): تعلق.
(¬5) في الأصول: " لا يعلقون "، والمثبت من " شرح الأصول ".
(¬6) ساقطة من (ب).
(¬7) في (ج): قول.