كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (اسم الجزء: 5)

الله عز وجل: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} [القيامة: 24، 25].
ومعلومٌ أن الوجوه لا تظُنُّ، وإنما أصحاب الوجوه يظنون، وهذا هو التَّأويلُ الأول، والكلام عليه.
وأما التأويل الثاني، فهو أن النظر بمعنى تقليب الحدقة الصحيحة، فكأنه قال تعالى: وجوهٌ يومئذٍ ناضرة إلى ثواب ربها ناظرة. ذكر نفسه، وأراد غيره، كما قال في موضعٍ آخر: {واسألِ القريَةَ} [يوسف: 82] يعني: أهل القرية.
وقال: {إني ذَاهبٌ إلى رَبِّي} [الصافات: 99] أي: إلى حيث أمرني ربي، وقال تعالى: {وجاء ربُّك} [الفجر: 22] أي: أمر ربك. وقال الشاعر (¬1):
هلاَّ سألتِ الخيلَ يا ابنة (¬2) مالكٍ ... إن كُنْتِ جاهلة بما لم تعلمي (¬3)
أي: أرباب الخيل، وقال جميل:
سَلِ الرَّبْعَ أنَّى يَمَّمَتْ أمُّ مالكٍ ... وهل عادةٌ للربع أن يَتَكَلَّما (¬4)
فكِلا التأويلين مرويَّان عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وعن عبد الله بن العباس، وجماعةٍ من الصحابة رضي الله عنهم.
قالوا على التأويل الأول: هذه الآية وردت في شأن أهل الجنة، فكيف يجوز أن تكون بمعنى الانتظار؟! لأن الانتظار (¬5) يورِثُ الغمَّ والمشقَّة، ويؤدي إلى التَّنغيص (¬6) والتكدير، حتَّى يقال في المثل: الانتظارُ يُورِثُ الاصفرار،
¬__________
(¬1) في " شرح الأصول ": عنترة.
(¬2) تحرفت في الأصول إلى: " بالله " والمثبت من (ب) و" شرح الأصول ".
(¬3) البيت لعنترة بن شداد العبسي من جاهليته السائرة، ومطلعها:
هل غادر الشعراءُ من متردم ... أم هل عرفتَ الدارَ بعدم توهُّمِ
انظر " شرح القصائد العشر " للتبريزي ص 236.
(¬4) ديوانه ص.
(¬5) ساقطة من (ج).
(¬6) تصحفت في (أ) و (ج) إلى: التبعيض.

الصفحة 226