كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (اسم الجزء: 5)

وفي " الصحيحين " من طرقٍ كثيرة عن أنس (¬1) وأبي موسى (¬2) أنهم سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أحْفَوْهُ، فصَعِدَ المِنْبَرَ، فقال: " لا تسألوني عن شيءٍ إلاَّ بَيَّنْتُه لكم " فلما سمعوا ذلك أرمُّوا ورَهِبُوا أن يكون ذلك بين يدي أمرٍ قد حَضرَ. قال أنس: فجعلتُ أنظر، فإذا كلُّ رجلٍ لافٌّ رأسه في ثوبه يبكي.
وفي لفظ: فلما أكثروا عليه غَضِبَ، ثم قال: " سلوني عمَّا شِئْتُم ".
فثبت أن السؤال عن كثيرٍ من الأمور من بواعث غضب الله ورسوله، وموجبات العقوبة أو التشديد، ومن ثَمَّ قال الله: {لِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} [الزخرف: 63] فلو كان بيان الجميع محتاجاً إليه ما أخَّر البيان عن وقت الحاجة، فذلك لا يجوز إجماعاً، فثبت أن المبتدعة يتعلمون ما يضرُّهم ولا ينفعُهم، ويتطلَّبُون ذلك أجارنا الله منه.
وعن ابن عباس مما خرجه الحاكم في " المستدرك " (¬3) في سبب نزول قوله
¬__________
(¬1) أخرجه عبد الرزاق (20796)، وأحمد 3/ 107 و162، والبخاري (93) و (540) و (6362) و (7089) و (7090) و (7091) و (7294)، ومسلم (2359)، وأبو يعلى (3134) و (3135) و (3601)، وابن حبان (106) و (6429)، والبغوي في " شرح السنة " (3720).
وقوله: " أحفوه " أي: أكثروا في الإلحاح والمبالغة فيه، يقال: أحفى وألحف وألحَّ، بمعنى.
وقوله: " أرمُّوا " أي: سكتوا، وأصله من المَرَمَّة، وهي الشفة، أي: ضمُّوا شفاههم بعضها على بعض فلم يتكلموا، ومنه: رمت الشاةُ الحشيش: ضمته بشفتيها.
(¬2) أخرجه البخاري (92) و (7291)، ومسلم (2360).
(¬3) 4/ 141 - 142. وأخرجه النسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " 4/ 440 وابن جرير الطبري في " جامع البيان " (12522)، والطبراني في " الكبير " (12459) والبيهقي 8/ 285 - 286 من طرق عن حجاج بن منهال، عن ربيعة بن كلثوم بن جبر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " 3/ 158 - 159، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه. =

الصفحة 340