كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (اسم الجزء: 5)

بعقولهم وحسهم، ومنه ما لا يصح أن يُدركوه بهما (¬1) ولا دليل لهم على رفع هذا الاحتمال (¬2) إلاَّ عدم وجدانهم لذلك، واعتقادهم وجوب (¬3) النفي لما لم يجدوه، وقد مر بطلانه، فظهر أن هذه الحجة ترجع إلى ذلك، وإن زخرفوها (¬4) بتغيير العبارة، ولذلك قال الرازي: وفي هذا الكلام نظر، سلمنا أنه كله مما يصح أن (¬5) يدركوه بهما أو بأحدهما، لكن ما المانع أن يكون الحسُّ هو الطريق إلي معرفة اختلاف الأجسام، لكن لم يحصل ذلك الإدراك الممكن لمانعٍ، تارة يرجع إلى المختلف وتارة إلى (¬6) الاختلاف.
بيانه أن الجواهر وما لَطُفَ من الأجسام لا تُدْرِكُ هي أنفسها للطافتها، وذلك أمرٌ ضروري متفق عليه، فإذا لم تدرك هي أنفسها، فكيف اختلافها؟! فجاز أن يكون عدم الإدراك مما (¬7) صَغُرَ وخَفِيَ من الأجسام لأمرٍ راجع إلى نقصان إدراك البشر وضعف قوتهم في إدراكهم عن إدراك كل شيء كما لا تدرك الملائكة والجن والشياطين، ولا تُدرَكُ كبار الأجسام لإفراط البعد (¬8)، وما المانع أن يُدْرِكَ الله تعالى من الذوات اللطيفة واختلافها اللطيف ما لا يدرك، ومن العجب موافقة (¬9) الخصم على أنه تعالى يُدرِكُ من الذوات اللطيفة ما لا يُدرَكُ (¬10)، ونزاعه في أنه يُدرِكُ من اختلافها ما لا نُدرِك، ولا شك أن اختلاف ما
¬__________
(¬1) عبارة " أن يدركوه بهما " ساقطة من (ش).
(¬2) كتب على هامش الأصل ما لفظه: مستندهم في ذلك وجدان العقل وحكمه الذي جعله الله تعالى لنا حجة قاطعة، ولا عبرة بما خالف من الاحتمالات في التكاليف فتأمل.
(¬3) في (ب): اعتقاد وجوب.
(¬4) في (ج): حرفوها.
(¬5) " يصح أن " ساقطة من (ب).
(¬6) في (ش): يرجع إلى.
(¬7) في (ب): فيما.
(¬8) تحرفت في (أ) إلى: العبد.
(¬9) في (ش): موافقتهم.
(¬10) في (ش): ندركه.

الصفحة 41