كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (اسم الجزء: 5)

فالعجبُ من قوم يدَّعون فرط الذكاء، وبُعْدَ الغايات في التدقيق لم يعرفوا أن الله اللطيف الخبير علاَّم الغيوب يجوز أن يُدرك في (¬1) اختلاف المتماثلات في إدراكنا ما لا نُدركه، وكيف (¬2) لا يكون إدراكه يخالف إدراكنا، وعلمه يخالف علمنا، وصفاته (¬3) تخالُف صفاتنا في كمالها في حقه ونقصها في حقنا، وأي أمر ساواه فيه (¬4) خلقه، وأين نفي التشبيه (¬5) الذي تدعي الخصوم المبالغة فيه؟ وما ألجأهم إلى تشبيه الله تعالى بخلقه الضعفاء في صفة الإدراك، وأوقعهم (¬6) فيه؟ وقد ثبت أن من قال في علم الله أو قدرته أو غيرهما من صفات الله المحكمة: إنها مثل صفاتنا، فهو كافرٌ مشبِّهٌ بإجماع المسلمين (¬7)، فليحذر في (¬8) ذلك، والقائل (¬9) بأن إدراكه لاختلاف المختلفات وتماثل المتماثلات لا يصحُّ أن يزيد على إدراكنا قطعاً (¬10) - تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً (¬11)، وما زال المسلمون يُنزِّهون الله تعالى عن ذلك (¬12). ومن الدائر بينهم قول القائل:
يا من يرى مدَّ البَعُوض جَنَاحَهَا ... في ظُلمةِ الليل البهيمِ الأليَلِ
ويرى نِياطَ عُرُوقِهَا في سَاقِهَا ... والمُخ في تلك العظام النحل (¬13)
¬__________
(¬1) في (ب) و (ش): من.
(¬2) في (ش): وكذلك.
(¬3) في (ب) و (ش): وجميع صفاته.
(¬4) في (ش): في.
(¬5) في (ب): الشبيه.
(¬6) في (ش): ووافقهم.
(¬7) في (ش): بالإجماع.
(¬8) ساقطة من (ب) و (ش).
(¬9) في (ب) و (ش): القائل.
(¬10) ساقطة من (ش).
(¬11) في (ب): عن ذلك.
(¬12) جملة " ينزهون الله تعالى عن ذلك " ساقطة من (ش).
(¬13) أنشدهما الزمخشري في " الكشاف " 1/ 265 في تفسير قوله تعالى: {إن الله لا =

الصفحة 45