كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (اسم الجزء: 5)

أو يكون مفارقاً (¬1) له بالجهات، بدليل أنهم لا يعقلون قسماً ثالثاً أصلاً.
قالوا: فلو جوَّزنا القدح في هذه القضية مع كونها معلومة بالفطرة موافقة لنصوص الكتب المنزَّلة، جاز القدح في سائر القضايا الضرورية، وذلك يجرُّ إلى السفسطة، فإذا كانت هذه الطريقة هي حُجَّته عليهم، فإنها بعينها هي حجَّتُهم عليه، فكان في تصحيح قوله بطلانه.
زاد مختار: إنه لا دليل على القديم في الأزل مع وجوب ثبوته فيه، وهو دليك صحيحٌ، فهذا من الأدلة العقلية.
ومن الأدلة السمعية ما لا يُحصى، من ذلك قوله تعالى: {وَيَخلُقُ مَا لا تعلَمُون} [النحل: 8]، فلو كان ما لا يعلم البشر يجب نفيه، لوجب أن يستحيل صدور مثل هذا النص الحقِّ عن الربِّ الحقِّ، ومن ذلك ما ثبث وصحَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من طريق ابن عباس: " أن الخَضِرَ قال لموسى ما علمي وعِلمُكَ وعِلْمُ جميع الخلائق في علم الله إلاَّ مثل ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر " (¬2)، ويشهد لهذا قوله تعالى: {وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلمِ إلاَّ قَليِلاً} [الإسراء: 85].
وفي الصَّحيح أيضاً عنه - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: " لو تعلمون ما أعلمُ، لضَحِكْتُم قليلاً ولبكيتُم كثيراً " (¬3)، فكيف يصح مع هذا في عقل عاقل أن يكون الجهلُ طريقاً
¬__________
(¬1) في (ش): مقارناً.
(¬2) أخرجه أحمد 5/ 118، والبخاري (122) و (3401).
(¬3) روى هذا الحديث غيرُ واحد من الصحابة، رضوان الله عليهم، فأخرجه من حديث عائشة: أحمد 6/ 81 و164، ومالك 1/ 186، والبخاري (1044) و (6631)، ومسلم (901)، والنسائي 3/ 132 - 133 و152.
وأخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد 2/ 257 و312 - 313 و418 و432 و453 و467 و477 و502، والبخاري (6485) و (6637)، والترمذي (2313)، والحاكم 5/ 479، والبغوي في " شرح السنة " (4170)، والقضاعي في " مسند الشهاب " =

الصفحة 48