كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (اسم الجزء: 5)
بل نَفَوْا عن أنفسهم، لا عن ربِّهم جلَّ وعزَّ وتبارك وتعالى معرفة حقيقة الذات المقدسة، وما يتعلق بها على التفصيل، وأثبتوا المحارة (¬1) في ذلك بالنسبة إلى أنفسهم لقصور البشر عن إدراك ذلك (¬2) الجلال الأعزِّ، وبُعدِ مَنْ صوَّره الله تعالى من التراب عن بلوغ الغاية القصوى في معرفة ربِّ الأرباب تصديقاً لقوله تعالى: {ولا يُحيطُونَ به علمَاً} [طه: 110]، لا بالنسبة إلى علم الله تعالى المحيط الذي لا يجوزُ أن يدخُلَه نقصٌ، ولا وقفٌ، ولا حَيرة، ولا شُبهةٌ، ولذلك ذهبوا إلى أنه تعالى (¬3) يعرف ذاته معرفة المفردات، وهي على الحقيقة المعرفة التامة.
وأما العباد، فإنما يعلمون نسبة الأسماء والنعوت إليها كنسبة الوجود وصفات الكمال، ولا يعرفون الذات التي نُسبَت (¬4) إليها هذه الأمور، وذلك الذي يختص به العباد يُسمى علماً لا معرفة عند أهل اللغة وأهل المعقولات، لأن العلم يتعدَّى إلى مفعولين، كما تقول: علمت الله موجوداً عليماً قديراً، وأمَّا المعرفة، فلها مفعولٌ واحدٌ مفردٌ. ومذهبُ أهل الأثر في هذا هو المعروف عن عليٍّ كرَّم الله وجهه (¬5)، وبه فسَّر ابن أبي الحديد -مع اعتزاله (¬6) - قوله عليه السلام في وصف عزة (¬7) الربِّ جل جلاله عن إدراك العقول لحقيقة ذاته، قال عليه السلام: " امتنع منها بها، وإليها حَاكَمَها ". أراد عليه السلام أن العقول عرفت قصورها عن دركِ حقيقة الذات المقدسة، وكان الامتناع من ذلك بالعقول، وإلى العقول حاكم العقول، شبَّه العقل (¬8) بالخصم المدعي لما لا
¬__________
(¬1) وفي (ش): المحاراة.
(¬2) ساقطة من (ش).
(¬3) في (أ): " ذهبوا أن الله تعالى "، وفي (ش): " ذهبوا إلى أن الله تعالى ".
(¬4) في (ش): تنسب.
(¬5) في (ب): عليه السلام.
(¬6) في (ب) اعترافه.
(¬7) ساقطة من (ش).
(¬8) في (أ): " شبهة العقل "، وفي (ب) و (ج): " شبه العقول "، وفي (ش): " حاكم العقول ".