كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (اسم الجزء: 5)
ومن ذلك سؤال موسى -عليه السلام- للرؤية، حيث قال: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143]، فإنه من أعلم الخلق بما يجوز على الله تعالى وما يستحيل، والخصم ينزل ذلك منزلة تجويز الأكل والشرب والنوم والعجز والفناء على الله تعالى، وموسى الكليم أعلم من أن يجهل ما يستحيل على ربِّه عز وجل، ويعرِفَه شيوخ المعتزلة بأنظارهم، ولم يقع الجواب عليه بأن ذلك لا يصحُّ ولا يمكن، بل أجيب بنفي ما طلبه من الرُّؤية في الدنيا، وكان جوابه على سبب سؤاله، وسؤاله كان مقصوراً على رؤية الدنيا، كما سيأتي تحقيقه.
و" سوف " لا تدل على أن المنفيِّ متأخِّرٌ إلى الآخرة، وقد قال تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام: {سوفَ أستغفِرُ لكُم ربِّي} [يوسف: 98]، وإنما (¬1) أخَّره إلى ليلة الجمعة (¬2).
¬__________
(¬1) في (ش): فإنما.
(¬2) أخرجه الطبراني (19875) و (19876) من طريق سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، أخبرنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " قد قال أخي يعقوب: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة ".
وأخرجه الترمذي (3570) ضمن حديث مُطَوَّل من طريق سليمان بن عبد الرحمن بهذا الإسناد. وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلاَّ من حديث الوليد بن مسلم. وأخرجه الحاكم في " المستدرك " 1/ 316 من هذة الطريق، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وقد علق عليه الإمام الذهبي فقال: هذا حديث منكر شاذ أخاف أن يكون موضوعاً، وقد حيَّرني والله جَوْدَةُ سندِه.
وقال في " ميزان الاعتدال " في ترجمة سليمان بن عبد الرحمن بعد أنا ذكر طرفاً من هذا الحديث: وهو مع نظافة سنده حديث منكر جداً في نفسي منه شيء، فالله أعلم، فلعل سليمان شبه له، وأدخل عليه، كما قال فيه أبو حاتم: لو أن رجلاً وضع له حديثاً لم يفهم.
وأورده الحافظ المنذري في " الترغيب والترهيب " 2/ 214 من رواية الترمذي =