كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (اسم الجزء: 5)

وبكلِّ حالٍ، فالآية واضحةٌ في صحَّة الرؤية، ألا تراه تجلَّى كيف شاء للجبل، فجعله دكّاً، وعلَّق الرُّؤية باستقراره وهو ممكن بقدرة (¬1) الله إجماعاً، وما عُلِّق بالممكن فهو ممكن. ألا تراه لا يصحُّ أن يقال: إن استقرَّ مكانه، فسوف آكلُ وأشربُ وأعجِز وأجهَل، تعالى الله عن ذلك. ويوضح ما ذكرته (¬2) من كونها في (¬3) رؤية الدنيا أن قوله تعالى: {لَنْ تَرَانِي} [الأعراف: 143]، لم يكن جواباً لقوله: أرني في الآخرة، ولا لقوله (¬4): هل أراك فيها، بدليل أنه يحسُنُ منه بعد ذلك أن يقول فهل أراك في الآخرة حين لم تُجبني إلى رؤيئك في الدنيا، فلا تعارض أنه (¬5) رؤية الآخرة معارضة النصوص. ألا ترى أن قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53]، لما نزل على سبب قول المشركين: إنهم قد كفروا وكذبوا، وزنوا، فأكثروا (¬6) كانت خاصة بالمغفرة في الدنيا لمن تاب من الكافرين (¬7)، ولمن شاء الله من غيرهم (¬8). وحسنٌ أن يُقال في من مات (¬9)
¬__________
= والحاكم، ثم قال بإثره: طرق أسانيد هذا الحديث جيدة، ومتنه غريب جداً.
وذكره ابن كثير في " تفسيره " 4/ 334 طبعة الشعب من طريق ابن جرير، وقال بإثره: وهذا غريب من هذا الوجه، وفي رفعه نظر، والله أعلم.
(¬1) في (ش): في قدرة.
(¬2) في (ش): ويوضح ذلك.
(¬3) ساقطة من (ب).
(¬4) تحرفت في (أ) إلى: وقولي.
(¬5) تحرفت في (أ) إلى: أية.
(¬6) في (ش): وأكثروا.
(¬7) في (ش): المشركين.
(¬8) أخرج البخاري (4810)، ومسلم (122)، والنسائي 7/ 86 - 87، وفي " الكبرى " كما في " التحفة " 4/ 458، وأبو داود (4374) عن ابن عباس أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا، فأتوا محمداً - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لَحَسَنٌ، لو تخيرت أن لما عملنا كفارةً، فنزل: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ}، ونزل: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ .. }
وأخرجه الطبري 24/ 14 بلفظ آخر.
وذكر ابن إسحاق في " سيرته " 2/ 119 سبباً آخر لنزول الآية.
(¬9) في (أ) و (ج) و (د) و (ش): كان.

الصفحة 96