كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد (اسم الجزء: 5)

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: الْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ، وَلَكِنْ حَدِيثُ التَّحْرِيمِ نَاسِخٌ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أبي محمد ابن حزم وَغَيْرِهِ. قَالُوا: لِأَنَّهُ نَاقِلٌ عَنِ الْأَصْلِ، وَالْأَحْكَامُ كَانَتْ قَبْلَ التَّحْرِيمِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَدَعْوَى هَؤُلَاءِ تَحْتَاجُ إِلَى تَارِيخٍ مُحَقَّقٍ يُبَيِّنُ تَأَخُّرَ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ عَنِ الْآخَرِ وَأَنَّى لَهُمْ بِهِ وَقَدِ اتَّفَقَ عمر وعلي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ مَوْءُودَةً حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهَا التَّارَاتُ السَّبْعُ، فَرَوَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عبيد بن رفاعة عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (جَلَسَ إِلَى عمر علي والزبير وسعد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَذَاكَرُوا الْعَزْلَ، فَقَالُوا: لَا بَأْسَ بِهِ فَقَالَ: رَجُلٌ إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، فَقَالَ علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا تَكُونُ مَوْءُودَةٌ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهَا التَّارَاتُ السَّبْعُ حَتَّى تَكُونَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ تَكُونَ نُطْفَةً، ثُمَّ تَكُونَ عَلَقَةً، ثُمَّ تَكُونَ مُضْغَةً، ثُمَّ تَكُونَ عِظَامًا، ثُمَّ تَكُونَ لَحْمًا، ثُمَّ تَكُونَ خَلْقًا آخَرَ، فَقَالَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: صَدَقْتَ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ) وَبِهَذَا احْتَجَّ مَنِ احْتَجَّ عَلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ لِلرَّجُلِ بِطُولِ الْبَقَاءِ.
وَأَمَّا مَنْ جَوَّزَهُ بِإِذْنِ الْحُرَّةِ فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ حَقٌّ فِي الْوَلَدِ كَمَا لِلرَّجُلِ حَقٌّ فِيهِ، وَلِهَذَا كَانَتْ أَحَقَّ بِحَضَانَتِهِ، قَالُوا: وَلَمْ يُعْتَبَرْ إِذْنُ السُّرِّيَّةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا لَا حَقَّ لَهَا فِي الْقَسْمِ وَلِهَذَا لَا تُطَالِبُهُ بِالْفَيْئَةِ. وَلَوْ كَانَ لَهَا حَقٌّ فِي الْوَطْءِ لَطُولِبَ الْمُؤْلِي مِنْهَا بِالْفَيْئَةِ.
قَالُوا: وَأَمَّا زَوْجَتُهُ الرَّقِيقَةُ فَلَهُ أَنْ يَعْزِلَ عَنْهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا صِيَانَةً لِوَلَدِهِ عَنِ الرِّقِّ وَلَكِنْ يُعْتَبَرُ إِذْنُ سَيِّدِهَا؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْوَلَدِ، فَاعْتُبِرَ إِذْنُهُ فِي الْعَزْلِ كَالْحُرَّةِ، وَلِأَنَّ بَدَلَ الْبُضْعِ يَحْصُلُ لِلسَّيِّدِ كَمَا يَحْصُلُ لِلْحُرَّةِ، فَكَانَ إِذْنُهُ فِي الْعَزْلِ كَإِذْنِ الْحُرَّةِ.
قَالَ أحمد رَحِمَهُ اللَّهُ فِي رِوَايَةِ أبي طالب فِي الْأَمَةِ إِذَا نَكَحَهَا: يَسْتَأْذِنُ أَهْلَهَا يَعْنِي فِي الْعَزْلِ؛ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْوَلَدَ وَالْمَرْأَةُ لَهَا حَقٌّ، تُرِيدُ الْوَلَدَ وَمِلْكُ يَمِينِهِ لَا يَسْتَأْذِنُهَا.

الصفحة 133

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text