كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد (اسم الجزء: 5)

فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ وَقَضَى بِوُجُوبِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ مِنْ حَدِيثِ بروع بنت واشق وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَلَوْ لَمْ تَرِدْ بِهِ السُّنَّةُ لَكَانَ هُوَ مَحْضَ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ أُجْرِيَ مَجْرَى الدُّخُولِ فِي تَقْرِيرِ الْمُسَمَّى وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ.
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ هَلْ يَثْبُتُ تَحْرِيمُ الرَّبِيبَةِ بِمَوْتِ الْأُمِّ كَمَا يَثْبُتُ بِالدُّخُولِ بِهَا؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ لِلصَّحَابَةِ وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أحمد.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْعِدَّةَ فِيهِ لَيْسَتْ لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، فَإِنَّهَا تَجِبُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِخِلَافِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ.
وَقَدِ اضْطَرَبَ النَّاسُ فِي حِكْمَةِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَغَيْرِهَا فَقِيلَ: هِيَ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَأُورِدَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ.
مِنْهَا: وُجُوبُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الْوَفَاةِ وَمِنْهَا: أَنَّهَا ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ وَبَرَاءَةُ الرَّحِمِ يَكْفِي فِيهَا حَيْضَةٌ كَمَا فِي الْمُسْتَبْرَأَةِ وَمِنْهَا: وُجُوبُ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فِي حَقِّ مَنْ يُقْطَعُ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا لِصِغَرِهَا، أَوْ كِبَرِهَا.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ هُوَ تَعَبُّدٌ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، وَهَذَا فَاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ حُكْمٌ إِلَّا وَلَهُ حِكْمَةٌ وَإِنْ لَمْ يَعْقِلْهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، أَوْ أَكْثَرُهُمْ.
الثَّانِي: أَنَّ الْعِدَدَ لَيْسَتْ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ بَلْ فِيهَا مِنَ الْمَصَالِحِ رِعَايَةُ حَقِّ الزَّوْجَيْنِ وَالْوَلَدِ وَالنَّاكِحِ.

قَالَ شَيْخُنَا: وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ أَمَّا عِدَّةُ الْوَفَاةِ فَهِيَ حَرَمٌ لِانْقِضَاءِ النِّكَاحِ وَرِعَايَةً لِحَقِّ الزَّوْجِ، وَلِهَذَا تُحِدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ رِعَايَةً لِحَقِّ الزَّوْجِ فَجُعِلَتِ الْعِدَّةُ حَرِيمًا لِحَقِّ هَذَا الْعَقْدِ الَّذِي لَهُ خَطَرٌ وَشَأْنٌ فَيَحْصُلُ بِهَذِهِ فَصْلٌ بَيْنَ نِكَاحِ الْأَوَّلِ وَنِكَاحِ الثَّانِي، وَلَا يَتَّصِلُ النَّاكِحَانِ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا

الصفحة 590

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text