كتاب تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (اسم الجزء: 5)

بكتابات أدبية فكهة سنعقد لها حديثا مستقلا فى غير هذا الموضع.
وكل ما لقيناه فى اليمن من نشاط كتابى نلتقى به فى حضرموت. فهناك الرسائل السياسية والشخصية وهناك الإجازات، من مثل إجازة الشيخ الحسن بن صالح البحر لتلميذه السيد عيدروس بن عمر، وقد جاء فى صدرها: «الحمد لله جامع الظواهر والسرائر، على ما يحبه ويرضاه الأول والآخر، حتى ترتفع عنها الستائر، وتتجلى لها من ظلمات الأغيار البصائر، وتقبل بكليتها على من هو الباطن والظاهر، لترتقى بعين عنايته ورعايته إلى تلك الحظائر، ولم تزل تعتلى بعمارة ظواهرها وسرائرها بما تشاهده تلك النواظر، وتتجلّى وراء ما هو آفل وغابر، حتى تشاهد الجمال المطلق بقيومية من هو فوق عباده قاهر، حتى يأتيها النداء: إنّ هذا جمال لا أول له ولا آخر (¬1)». ويظل طويلا فى هذه النغمة الروحية الصوفية، وكأنه يريد أن يصل تلميذه مع أخذه عنه لمصنفاته بنور الذات العلية المطلق الذى تعم الوجود أضواؤه.
وظلت عمان تحتفظ بنشاط كتابى طوال العصر، وقد عنى نور الدين السالمى بعرضه فى كتابه «تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان». وفى طليعة ما نجد عنده كتاب كتب به الإمام راشد ابن سعيد الإباضى الذى دانت له عمان جميعها سنة 442 للهجرة بعد قضائه على ملك بنى مكرم الشيعة الإماميين ولاة البويهيين هناك. والكتاب موجه إلى أحد ولاته وهو يستهله على هذا النمط: «إنى أوصيك بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم والانتهاء عما حرم الله عليك فى زواجره، والعمل بما أمرك الله به من أوامره، فيما ساءك أو سرك، ونفعك أو ضرّك، وأن تأمر بالمعروف وتعمل به، وتنهى عن المنكر وتكفّ [الناس] عن فعله، ولتحذر من خدائع الشيطان، ومن يؤازره على ذلك من الأعوان (¬2)». وواضح أن الكتاب يحفل بالسجع. ومن الأئمة بعد هذا الإمام الإباضى راشد بن على المتوفى سنة 513 للهجرة، ونرى قاضيه محمد بن عيسى السرى يكتب له شروطا بها أسجاع (¬3).
ويخلفه محمد بن أبى غسان ويكتب إليه أهل إحدى الولايات العمانية كتابا مسجوعا من مثل قولهم: «الله تعالى يحرس علينا شريف بقائه، ويزيد فى رفعته وارتقائه، ويديم عليه ما اتسع من نعمائه، وينعم علينا عاجلا بكريم لقائه (¬4)»: ويتولى بعده موسى بن أبى المعالى بن نجاد سنة 549 ونقرأ كتابا إلى بعض من تحدثهم أنفسهم بالخروج وهو كتاب
¬_________
(¬1) تاريخ الشعراء الحضرميين 3/ 154.
(¬2) تحفة الأعيان 1/ 264 وما بعدها.
(¬3) تحفة الأعيان 1/ 275.
(¬4) تحفة الأعيان 1/ 292.

الصفحة 205