كتاب تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (اسم الجزء: 5)

بطل كأن ثيابه فى سرحة … يحذى نعال السّبت ليس بتوءم (¬1)
فحين رأته يختال فى غضون الزّرد المصون (¬2) أنشأت تقول:
نشدت أضبطا يمي‍ … ل بين طرفاء وغيل (¬3)
لباسه من نسج دا … ود كضحضاح يسيل (¬4)
فعرض له فى البادية أسد هصور، كأن ذرعه مسد (¬5) مضفور:
فتطاعنا وتواقفت خيلاهما … وكلاهما بطل اللقاء مقنّع
فلما سمعت صياح الرّعيل (¬6)، برزت من الخدر بصبر قد عيل (¬7). فسألت عن الواحد، فقيل لها: لحده اللاحد:
فكرّت تبتغيه فصادفته … على دمه ومصرعه السّباعا
عبثن به فلم يتركن إلاّ … أديما قد تمزّق أو كراعا (¬8)
وما هذه الأم الثكلى بأشدّ من عبدك تأسفا، ولا أعظم كمدا وتلهفا، وإنه ليعنّف نفسه دائما، ويقول لها لائما: لو فطنت لقطنت (¬9) ولو عقلت لما انتقلت، ولو قنعت لرجعت، وما هجعت:
يقيم الرجال الموسرون بأرضهم … وترمى النّوى بالمقترين المراميا (¬10)
وما تركوا أوطانهم عن ملالة … ولكن حذارا من شمات الأعاديا
أيها السيد! أمن العدل والإنصاف، ومحاسن الشيّم والأوصاف، إكرام لمهان، وإذلال جواد الرّهان، يشبع فى ساجورة (¬11) كلب الزّبل، ويسغب فى خيسه أبو الشّبل (¬12):
إذا حلّ ذو نقص مكانة فاضل … وأصبح ربّ الجاه غير وجيه
فإن حياة الحرّ غير شهيّة … إليه وطعم الموت غير كريه
¬_________
(¬1) البيت لعنترة والسرحة: شجرة طويلة. يصف خصمه بالبطولة والطول كأنه سرحة أو شجرة سامقة ويصفه بالترف إذ ينتعل بنعال السبت الجيدة، كما يصفه بالقوة إذ ليس توأما شركه غيره فى بطن أمه.
(¬2) غضون: ثنايا. ويريد بالزرد المصون الدرع.
(¬3) الأضبط: العامل أو المقاتل بيمينه ويساره. والطرفاء: شجر. الغيل: الغابة.
(¬4) تصف درعه وأنه متين من نسج داود، ويشبهون كثيرا الدروع وثناياها بغدران المياه حين هبوب الرياح عليها.
(¬5) هصور: شديد. ذرع: طول. مسد: حبل.
(¬6) الرعيل: القطعة من الخيل.
(¬7) عيل: نفد.
(¬8) الكراع: الساق.
(¬9) قطنت: أقمت.
(¬10) المقترون: أصحاب العيش الضيق.
(¬11) الساجور: خشبة صغيرة تعلق فى عنق الكلب.
(¬12) يسغب: يجوع. الخيس: غيل الأسد.

الصفحة 218