كتاب تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (اسم الجزء: 5)

وتقاليده مؤثرين حسن العبارة وحلاوة اللفظ وجمال أنغامه. ويمضى الآمدى فيصور جدلا بين أصحاب المذهبين فى فن الشاعرين وأيهما يتفوق على صاحبه، عارضا احتجاجات أصحاب أبى تمام وردود أصحاب البحترى عليهم، ومن أطرف ما احتجوا به أن أبا تمام صاحب مذهب جديد فى الشعر وصناعته ونوقش مذهبه مناقشة واسعة. ويتحدث الآمدى بعد ذلك عن سرقات الشاعرين وأخطائهما، وهو يتحيز فى الموازنة للبحترى تحيزا واضحا.
وكان يعاصره المرزبانى (¬1) محمد بن عمران المتوفى سنة 384 وهو خراسانى الأصل بغدادى المولد والموطن، وله كتاب الموشح فى مآخذ العلماء على الشعراء، وهو سجل لنقد اللغويين من القرن الثانى حتى القرن الرابع لشعراء الجاهلية والإسلام والعصر العباسى حتى نهاية القرن الثالث، متخللا ذلك بنظرات نقدية كثيرة له ولسابقيه. ومن أطرف فصوله الفصل الخاص بأبى نواس، وكذلك الفصل الخاص بأبى تمام، وقد دوّن فيه رسالة ابن المعتز فى بيان محاسن شعر أبى تمام ومساويه ومنها استمد كل من نقدوا أبا تمام بعده، مثل ابن عمار القطر بّلى المتوفى سنة 319 فى رسالته التى كتبها فى أخطاء أبى تمام، وكذلك الآمدى فى موازنته السالفة. وفى رأينا أن هذه الرسالة هى التى دفعت الصولى للانتصار للشاعر وكتابة مصنفه عنه المعروف باسم أخبار أبى تمام. وحينما يتحدث الآمدى عن أنصار أبى تمام إنما يريده. ونلتقى بناقد مهم للمتنبى سبق أن عرضنا له حديثنا عن النشاط البلاغى وهو أبو على الحاتمى البغدادى الذى تصدى للشاعر الكبير ينقده نقدا مجحفا فى كثير من الأحوال، وله فيه رسالة عما وافق فيه المتنبى كلام أرسطو. حاول فيها أن يرد كثيرا من حكمه إلى أقوال الفيلسوف، وبمجرد أن نطلع عليها نعرف أن المتنبى على فرض أنه استعار بعض حكمه من أرسطو أعطاها صياغة جديدة باهرة، وفى الحق أن جمهور حكمه إنما هو من تجاربه ومن خبرته بالحياة الإنسانية. وللحاتمى فيه رسالة ثانية أو كتاب ثان هو الموضحة (¬2) وفيها يذكر أن الوزير المهلبى هو الذى دفعه إلى نقد المتنبى، ويقول إن معارك نشبت بينه وبين المتنبى حين لقيه، ويصور فى الكتاب هذه المعارك وأنها امتدت فى عدة مجالس، كان أولها فى الدار التى نزل فيها المتنبى، أمام طائفة من العلماء الأدباء. وقد أخرج الحاتمى الكتاب بعد وفاة صاحبه ولعله تزيّد فيه، وهو
¬_________
(¬1) انظر فى المرزبانى تاريخ بغداد 3/ 135 ومعجم الأدباء 18/ 268 وابن خلكان 4/ 354 والشذرات 3/ 111 وميزان الاعتدال 3/ 672 والوافى بالوفيات 4/ 23 وعبر الذهبى 3/ 27 ولسان الميزان 5/ 236.
(¬2) حقق الدكتور محمد يوسف نجم هذا الكتاب ونشره فى بيروت.

الصفحة 303