كتاب تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (اسم الجزء: 5)

والصلة بين المعتزلة والشيعة الإمامية قديمة ومعروفة، وتتردد فى التفسير أسماء بعض أعلامهم مثل أبى على الجبّائى وعلى بن عيسى الرمّانى والقاضى عبد الجبار. واتجه نفس الوجهة أخوه الشريف المرتضى (¬1) فى كتابه «الأمالى» إذ نراه فيه يقف إزاء الآيات التى قد يفيد ظاهرها التشبيه على الذات العلية أو الجبر ليؤولها على طريقة المعتزلة، وفى الوقت نفسه لا يروى فيها نقولا عن الأئمة. وبذلك يعدّان للتفسير بالرأى والعقل فى بيئة الإمامية، واستضاء بعملهما فى هذا الاتجاه الطوسى (¬2) أبو جعفر محمد بن الحسن تلميذ الشريف المرتضى، وقد توفى سنة 460 واشتهر بتفسير للذكر الحكيم سماه «التبيان فى تفسير القرآن» وهو مطبوع بالنجف فى عشرة أجزاء، وقد عنى فى تفسيره بالتقريب بين تفسيرات الشيعة وتفسيرات أهل السنة. إذ روى فى تفسيره عن الصحابة من أمثال أبى بكر الصديق وعمر، وكذلك عن التابعين دون تعصب مذهبى، ووضع بجانبهم ما نقله عن الأئمة فى عقيدته الإمامية، واتخذ تفسير الطبرى السنى هاديا له فى تفسيره، وكما نقل عن كتب الحديث الشيعية مثل الأمالى لابن بابويه القمى وأمالى ابن النعمان المفيد نقل عن كتب الحديث المشهورة لأهل السنة مثل مسند ابن حنبل وكتب الصحاح الستة. وعلى ضوء دراسات الشريفين المرتضى والرضى عنى بالتفسير العقلى وفسح للتأثر بالمعتزلة فى نفى التشبيه عن الذات العلية. وليس معنى ذلك كله أنه تخلص فى تفسيره من عقيدته الإمامية، بل لقد نصرها فى مواطن كثيرة وخاصة عقيدتهم فى الإمام وأنه معصوم وحجة الله فى أرضه وصاحب علم باطنى متوارث إلى غير ذلك من أصول العقيدة الإمامية، وقد تأثر به الطّبرسى فى تفسيره تأثرا واسعا.
وكانت بغداد دارا قديمة للحديث، وظلت شديدة العناية به وبحفّاظه طوال هذا العصر، وأول من نلقاه من أعلامه البزاز محمد (¬3) بن عبد الله المتوفى سنة 354 وله كتاب العوالى فى الحديث وهى مجموعة يمتاز سندها بقلة رواته، وكان يعاصره الآجرى (¬4) أبو بكر محمد بن الحسين المتوفى سنة 360 وله كتاب يضم أربعين حديثا مختارة،
¬_________
(¬1) راجع فى الشريف المرتضى تاريخ بغداد 12/ 402 وتتمة اليتيمة 1/ 53 وابن خلكان 3/ 313 ومعجم الأدباء 13/ 146 وإنباه الرواة 2/ 249 وما به من مراجع
(¬2) انظر فى الطوسى المنتظم 8/ 252 والنجوم الزاهرة 5/ 82 ولسان الميزان 5/ 135 وروضات الجنات 580 ودائرة المعارف الإسلامية.
(¬3) انظره فى تذكرة الحفاظ 3/ 906 وطبقات الحفاظ للسيوطى 121. وبروكلمان 2073.
(¬4) راجعه فى تذكرة الحفاظ 3/ 139 وتاريخ بغداد 2/ 203 والسبكى 3/ 149 وابن خلكان 4/ 292 والشذرات 3/ 35 والمنتظم 7/ 55 والوافى 2/ 373.

الصفحة 309