كتاب تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (اسم الجزء: 5)

الشعراء بجانب ذلك كثير من ذوى البيوتات، وفى مقدمتهم الشريف الرضى ورعايته لمهيار مشهورة. ولابد أن نلاحظ أن الثعالبى فاته الوقوف عند بعض الشعراء، فى عصر البويهيين مثل مدرك بن محمد الشيبانى، وهو بدوى قدم بغداد فى شبابه وتولى بها القضاء وتوفى سنة 390 واشتهر بأرجوزة ماجنة نظمها فى غلام نصرانى فى نحو خمسين دورا ذكر فيها شعائر الديانة المسيحية وطقوسها وحوارييها ذكرا مفصلا (¬1)، ومثل أبى الحسن محمد بن عمر الأنبارى، وكان صديقا للوزير ابن بقية، فلما صلبه عضد الدولة البويهى رثاه بمرثية رائعة. وتلقانا بعد اليتيمة وتتمتها موجه ثانية من الشعراء فى كتاب دمية القصر للباخرزى، وقد توفى بعد الثعالبى بنحو ثلاثين عاما سنة 467 للهجرة، مما جعلهما يتواردان أحيانا فى الحديث عن بعض الشعراء. وفى الحق أن شعراء الدمية مخضرمون لحقوا عصر بنى بويه وامتد بهم الأجل فى عصر السلاجقة.
وبذلك كانت الدمية لا تصور تماما الحركة الشعرية فى العصر السلجوقى، لسبب طبيعى، وهو أنها إنما ألمّت بأوائله. ومرّ بنا فى الفصل الثانى ما دفع إليه وزير ألب أرسلان نظام الملك (465 - 485 هـ‍) من نهضة علمية وأدبية مباركة، فقد فتح أبوابه للشعراء وأغدق عليهم نوالا غمرا، فجاءوه يمدحونه من كل أنحاء العراق، وينشد الباخرزى فى مواضع كثيرة بعض مدائحه. وتلقانا بعد الباخرزى ثغرة أو فجوة نحو خمسين عاما، لو أن ذيل الدمية المسمى كتاب زينة الدهر وعصرة أهل العصر للحظيرى نشر لسدّ هذه الثغرة، فإن الحظيرى توفى سنة 567 وكان قد جمع طائفة كبيرة من شعراء أهل عصره ومن تقدمهم، وذكر لكل شاعر طرفا من أحواله وشيئا من أشعاره. وحرى بنا أن نذكر صرّدرّ (على بن الحسن) الشاعر المشهور ببغداد فى أواسط القرن الخامس، وقد توفى سنة 465 وله ترجمة فى ابن خلكان، وبالمثل ابن السّراج البغدادى (جعفر بن أحمد) صاحب مصارع العشاق المتوفى سنة 500 وله ترجمة فى ابن خلكان وغيره. وقد تلا الحظيرى مباشرة العماد الأصبهانى بكتابه الخريدة التى ترجم فيها لشعراء العالم العربى على طريقة الدمية واليتيمة، غير أن ترجماته مستفيضة، وهو ينقل فيها مرارا عن الحظيرى، مما يدل على أنه يتلافى كثيرين ممن سقطوا فى الثغرة التى تحدثنا عنها آنفا. والمنشور حتى الآن من قسم العراق فى الخريدة أربعة مجلدات ضخمة. وهى تتناول فى العراق، كما فى الأقاليم الأخرى، شعراء القرن السادس الهجرى حتى نحو سنة 570، وقد تعرضت لبعض شعراء
¬_________
(¬1) معجم الأدباء 19/ 135 وانظر تاريخ بغداد للخطيب 12/ 273

الصفحة 324