والحريرى إنما هو شخص أشبه بأن يكون من العامة، ولذلك عرضنا مناظرته مع المقدسى لندل على مدى ما حظى به العقل العربى فى القرن الرابع من قدرة على الاستنباط والتعليل وتحليل الأفكار وتشعيبها ونقضها من أساسها نقضا. واستمرت هذه الحركة الفكرية الفلسفية خصبة مثمرة حتى منتصف القرن الخامس، ثم أخذت تتراجع موجاتها إلى الوراء، أو قل أخذت حدّتها تخف، بسببين: أولا لانتشار التصوف وتعلق العامة به، وخاصة بعد أن وجّهه أبو نصر السرّاج الطوسى والقشيرى نحو التصوف السنى، ويعم هذا التصوف منذ القرن السادس الهجرى بعد ظهور الشيخ عبد القادر الجيلانى والشيخ الرفاعى، ولا يلبث الدراويش أن ينتشروا فى العراق وغير العراق. وثانيا لأنه أتيح للسنة ونصرتها على الفلسفة عالم كبير هو الغزالى الذى كان لحملاته العنيفة على الفلسفة والمتفلسفة أكبر الأثر فى انصراف الناس عنها، وكان هو نفسه صوفيّا سنّيّا، فدعم التصوف السنى إلى أقصى حد، وأصبحت كفته هى الراجحة طوال قرون متطاولة.
وقد مضت خطابة الوعظ تزدهر فى العصر على نحو ما مرّ بنا فى حديثنا عن شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية، وأخذت تكثر أدعية ومناجيات مختلفة للذات العلية، ويكفى أن نذكر من كتبها كتاب الإشارات الإلهية لأبى حيان التوحيدى، وهو مطبوع، وجميعه دعاء واستغفار وتضرع إلى الله وتوبة وطلب للهداية واتباع سبيل الرشاد. وتلقانا من حين إلى آخر أدعية ومناجيات بديعة، من ذلك دعاء (¬1) لمحمد بن عبد الملك الفارقى المار ذكره فى الفصل الماضى. وأخذت توضع كتب كثيرة فى التصوف وفى القصص والحكايات عن أصحابه، من أهمها كتاب اللمع فى التصوف لأبى نصر السراج الملقب بطاووس الفقراء المذكور آنفا المتوفى سنة 378 وهو من طوس وحين ورد على بغداد أفردت له غرفة خاصة فى جامع الشونيزية وأعطى رياسة الدراويش، وكتاب قوت القلوب لأبى طالب (¬2) المكى الوافد على بغداد المتوفى بها سنة 386. ويلقانا من كتب القصص كتاب حكايات المشايخ الجعفر (¬3) الخلدى المتوفى سنة 348 ومر بنا فى حديثنا عن ابن السراج البغدادى بين شعراء الصوفية كتابه «مصارع العشاق» وهو يزخر بأخبار وأقاصيص عن العباد والنساك.
¬_________
(¬1) خريدة القصر (قسم الشام) 2/ 433.
(¬2) راجع فى أبى طالب تاريخ بغداد 3/ 89 وابن خلكان 4/ 303 والوافى 4/ 116 وميزان الاعتدال 3/ 655 والشذرات 3/ 130 ولسان الميزان 5/ 30 ومرآة الجنان 2/ 430.
(¬3) انظره فى تاريخ بغداد 7/ 226 وبروكلمان 4/ 75.