وأخذت تؤلف كتب قصص عامة، على نحو ما نرى عند أبى على المحسّن (¬1) التنوخى المتوفى سنة 384 وله ثلاثة كتب قصصية، هى: كتاب «المستجاد من فعلات الأجواد» وهو أقاصيص عن مجموعة كبيرة من الأجواد أو الكرماء الماضين، وهو مطبوع، و «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» وهو أقاصيص وأخبار عن معاصريه وهو أيضا مطبوع، ثم كتاب الفرج بعد الشدة وهو مطبوع، وهو أقاصيص ونوادر وأخبار وأمثال ولابن مسكويه كتاب أقاصيص سماه «أنس الفريد» سقط من يد الزمن. وأخذ بعض الكتّاب يحاولون تقليد بديع الزمان الهمذانى فى مقاماته، وفى مقدمتهم أبو القاسم عبد الله بن محمد بن ناقيا الذى ذكرناه فى فصل الثقافة بين علماء البلاغة فى القرن الخامس الهجرى، وهو سابق للحريرى، وقد ألف تسع مقامات بطلها واحد وهو اليشكرى، ورواتها متعددون، وتدور على الكدية أو الشحاذة الأدبية، وهى مطبوعة من قديم فى إستانبول مع ثلاثين مقامة لأبى العلاء أحمد بن أبى بكر بن أحمد الرازى من أدباء القرن السادس وقد حاكى بها مقامات الحريرى وأهداها إلى أبى حامد الشهرزورى المتوفى سنة 586، وكان يعاصره ابن الجوزى الذى مرّ ذكره فى غير موضع، وله خمسون مقامة، غير أنه لم يجعل لها بطلا من الأدباء الشحاذين أصحاب الكدية، وإنما نحا بها نحو الوعظ، على طريقة الزمخشرى فى مقاماته الوعظية. وربما كانت أهم المقامات التى ألفت فى القرن السادس بعد مقامات الحريرى مقامات يحيى بن سعيد بن مارى النصرانى البغدادى المتوفى سنة 589 وتسمى المقامات المسيحية لنصرانيته، وهى ستون مقامة ضاهى بها مقامات الحريرى. ونلتقى فى أواخر القرن السابع بالمقامات الزينية لمعد بن نصر الله ابن رجب الجزرى المعروف بابن الصّيقل المتوفى سنة 701 وهى خمسون مقامة، فرغ من تأليفها سنة 672. ويخلفه كثيرون يؤلفون مقامات مفردة أو بضع مقامات مجموعة. وتظل مقامات الحريرى فى الذروة، لا يبلغ شأوه فيها أى أديب بعده، وسنفرد له كلمة نعرض فيها لمقاماته.
وتكثر فى العصر كتب الأدب التهذيبى، وتتخذ مجريين: مجرى فلسفيّا فكريّا على نحو ما نرى فى كتاب تهذيب الأخلاق لمسكويه، ومجرى عمليّا تربويّا مثل كتاب أدب الدنيا والدين لأبى الحسن على بن محمد الماوردى المار ذكره وهو مقسم إلى خمسة أبواب:
باب فى فضل العقل وذم الهوى، وباب فى أدب العلم، وباب فى أدب الدين. وباب فى
¬_________
(¬1) راجع ترجمته فى اليتيمة 2/ 345 وتاريخ بغداد 13/ 155 ومعجم الأدباء 17/ 92 والمنتظم 7/ 178 وابن خلكان 4/ 159 والنجوم الزاهرة 4/ 168 والشذرات 3/ 112.