ضياء (¬1) الدين بن الأثير
هو ضياء الدين نصر الله بن محمد الشيبانى المعروف بابن الأثير الجزرى، ولد بجزيرة ابن عمر شمالى العراق سنة 558 لأسرة تعنى بعلوم الشريعة واللغة، ووجهه أبوه لحفظ القرآن الكريم، وفرّغه للدراسة كما فرّغ أخويه: المبارك وعز الدين صاحب كتاب الكامل فى التاريخ. وانتقل ضياء الدين مع أبيه إلى الموصل سنة 579 وفيها أتمّ دراسته للعلوم الإسلامية واللغوية والبلاغية، وأكبّ على حفظ الأحاديث النبوية والأشعار القديمة والحديثة وخاصة أشعار أبى تمام والبحترى والمتنبى. ولما أحسّ أنه كملت له أدواته فى الكتابة قصد صلاح الدين الأيوبى سنة 587 ووصله به القاضى الفاضل وزيره، فعمل فى دواوينه نحو أربعة أشهر، ثم طلبه الأفضل نور الدين من أبيه صلاح الدين، ولبّى طلب ابنه، فانتقل إلى العمل معه بنفس راتبه، واتخذه لنفسه مستشارا ووزيرا. وتوفّى صلاح الدين، فصارت دمشق للأفضل، وكلّف ضياء الدين بتدبير شئونها، فأساء التدبير والمعاملة مع أهلها، حتى همّوا بقتله. وتتطور الظروف ويصبح الأفضل سلطانا على مصر، فيلحق به سرّا فى صندوق مقفل عليه خوفا من الدمشقيين أن يقتلوه. ويظل نور الدين فى مصر عاما ويأخذها منه عمه العادل ويعوّضه منها قلعة على الفرات تسمى سميساط. ويخرج ضياء الدين وراءه مستترا إلى ولايته الجديدة، ويقيم عنده مدة، ثم يفارقه إلى غير مآب فى سنة 607 ويرحل إلى أخيه السلطان الظاهر صاحب حلب، ولا يطول مقامه عنده، فيولى وجهه نحو الموصل، ولا تستقيم حاله، ويفارقها إلى إربل سنة 611 ولا يستقر بها، بل سرعان ما يخرج منها إلى الموصل، وبها يلقى عصاه منذ سنة 618 إذ يصبح كاتب الإنشاء لصاحبها ناصر الدين محمود حتى نهاية حياته، ويحدث أن يرسله فى سنة 637 إلى بغداد فى بعض المهام، فيدركه بها الموت.
وحظى ضياء الدين عند الأسلاف بشهرة عظيمة لروعة أسلوبه فى رسائله ويقول ابن خلكان إنها كانت تشغل مجلدات، والمختار منها-كما يقول-مجلد واحد. وربما كان أهم منها فى سبب شهرته كتابه: «المثل السائر فى أدب الكاتب والشاعر» وفيه صوّر الصناعة اللفظية وما يتصل بها من المحسنات البديعية، والصناعة المعنوية وما يتصل بها من
¬_________
(¬1) انظر فى ضياء الدين وترجمته ابن خلكان 5/ 389 والحوادث الجامعة (طبع بغداد) 136 وعبر الذهبى 5/ 156 ومرآة الجنان 4/ 97 والنجوم الزاهرة 6/ 318 والشذرات 5/ 187 وانظر كتابنا: البلاغة: تطور وتاريخ (طبع دار المعارف) ص 323.