كتاب تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (اسم الجزء: 5)

إلى ذلك فى المقابسة الثانية من كتابه «المقابسات» وفى المسألة الرابعة والثلاثين من كتابه «الهوامل والشوامل». وأيضا فإنه يدافع عن العرب بقوة-دفاع العربى الأصيل-ضد الشعوبيين من معاصريه أمثال الجيهانى، ويرفعهم مكانا عليّا، كما يرفع لغتهم على كل اللغات لبيانها الرائع على نحو ما يلقانا فى الليلة السادسة من ليالى كتاب الإمتاع والمؤانسة.
وليس بين أيدينا شئ واضح عن طفولة أبى حيان ومرباه ومنشئه، وطبيعى أن تكون طفولته عادية وأن يختلف إلى الكتّاب مثل لداته يحفظ القرآن الكريم والشعر ويتعلم الخط والحساب، وأكبر الظن أن أباه لاحظ فيه مخايل ذكاء منذ نعومة أظفاره، مما جعله يدفعه إلى حلقات العلماء فى المساجد، وكانت مفتوحة ومهيّأة لكل من أراد لونا من ألوان المعرفة. ويذكر أبو حيان طائفة كبيرة من أساتذته فى كتاباته، منهم فى النحو واللغة أبو سعيد السيرافى المتوفى سنة 368 وفى البلاغة والبيان على بن عيسى الرمانى المتوفى سنة 386 وفى الفقه أبو حامد المرورّوذى المتوفى سنة 362 وفى الحديث أبو بكر الشافعى صاحب الغيلانيات المتوفى سنة 354، وفى التصوف جعفر الخلدى تلميذ الجنيد المتوفى سنة 348 وفى الفلسفة وعلوم الأوائل يحيى بن عدى تلميذ الفارابى المتوفى سنة 363 وأبو سليمان المنطقى السجتانى الذى مرّ ذكره، وقد تعرّف به فى مجلس يحيى بن عدى وانعقدت بينهما صداقة وثيقة، حتى إذا استقل أبو سليمان بندوة أو مجلس كمجلس يحيى بن عدى أصبح أبو حيان من روّاده، بل من ملازميه ومسجّلى ما يدور بحضرته.
وكان من أكبر الأسباب فى اتساع ثقافته وأنها شملت كل علم وفن احترافه الوراقة أو نسخ الكتب بالأجرة للناس، فقد قرأ وكتب بيده كثيرا من الكتب فى كل فن وفى كل علم، وانطبع كثير مما كتبه فى ذهنه وحافظته سواء أكان نثرا أو شعرا. واشتهر بشغفه بكتب الجاحظ وتوفره على تصحيحها وخاصة كتاب الحيوان، فكان ما يكتبه منه يعدّ نسخا نفيسة فى عصره ويدرّ عليه مكافأة جزيلة، كما جاء فى مقدمة كتاب الإمتاع والمؤانسة، بل لا شك فى أن كل ما كان يكتبه كان يجزى عليه الجزاء الحسن.
وتظل حياة أبى حيان مجهولة لنا حتى أوائل العقد السادس من القرن، إلا ما نعرفه عنه من أنه كان ورّاقا، يعيش من نسخ الكتب، ونراه يذهب إلى الحج فى سنة 353 ويتعرف فى مكة على جماعة من الصوفية، منهم ابن الجلاّء والحرّانى، وفى كتاباته روايات وأخبار نسبها إليهما. وعاد إلى بغداد فى سنة 354 والتقى فيها ببعض المتصوفة. ويبدو أنه أنس فى نفسه شيئا من القدرة الأدبية، فرأى أن يقصد إلى ابن العميد فى الرّىّ لعله يجد لنفسه عملا عنده، أو لعله يوصى به أولى الأمر فى خراسان. ويظل بعيدا عن بغداد منذ سنة

الصفحة 454