كتاب تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (اسم الجزء: 5)

والوزراء من مثل أبى الفتح بن العميد (¬1) والقضاة من مثل القاضى أبى أحمد منصور الهروى (¬2). وكانوا ينثرون الورود فى قاعات الشراب (¬3). وكان يحيّى بعضهم بعضا بالورود والرياحين والفواكه فى أثناء الشرب، يقول عبدان الأصبهانى (¬4):
سقيت وفى كفّ الحبيبة وردة … وأترجّة تغرى النفوس بصونها
مداما فلما قابلتنى بوجهها … شربت فحيّتنى بلونى ولونها
وبلغ من تفشى الغناء والرقص فى فارس أن نجد عضد الدولة يفرض ضريبة فيها على المغنيات والراقصات (¬5). وأكبر الظن أن إيران جميعها كان يشيع فيها ذلك بصور مختلفة، وكانت أكبر فرصة تتاح للناس كى يقصفوا ويمجنوا ما شاء لهم المجون والقصف هى الاحتفالات بالأعياد (¬6) المسيحية من مثل عيد الميلاد وعيد الزيتونة وعيد الشّعانين، وفى العيد الأخير يقول أحمد بن المؤمل مشيرا إلى ما كان فيه من لهو وموسيقى وغناء (¬7):
سقيا لدهر مضى إذ نحن فى شغل … بالعزف والقصف عن شغل السّلاطين
إذ يومنا يوم عيد طول مدّتنا … وليلنا كلّه ليل الشّعانين
وكانوا يطلقون لأنفسهم العنان فى الأعياد المجوسية من مثل عيد السّذق، وهو عيد لاشتعال النيران، وكان يقع فى شهر يناير من كل عام، ويصوّر البيهقى فى تاريخه الاحتفال به فى سنة 426، فيقول: «اقترب عيد السّذق، فأخذوا يجمعون له الطّرفاء وعيدان الحطب، حتى تراكمت وأصبحت كالقلعة، وأقاموا عرائس من الخشب صارت كالجبل ارتفاعا، وأتوا بكثير من المعدّات والطيور وما يلزم هذا العيد من الحاجيات، وحلّ العيد وجلس السلطان فى مخيّم له، وجاء الندماء والمطربون وأشعلوا النيران، وكانت ترى على بعد عشرة فراسخ، وأطلقوا الطيور المبللة بالنفط وكذلك الوحوش، فكانت تجرى وقد علقت بها النيران» (¬8). وكان أهم من هذا العيد عيد النّيروز فى أول الربيع، وكان موسما كبيرا للمجون والشراب. ومثله عيد المهرجان فى السادس والعشرين من أكتوبر كل عام.
ويقول البيهقى: «كان السلطان يجلس له صباحا للمعايدة. . ويجتمع أعيان الدولة
¬_________
(¬1) ابن الأثير 8/ 676.
(¬2) دمية القصر (طبعة دار الفكر العربى بالقاهرة) 2/ 167.
(¬3) يتيمة 3/ 244.
(¬4) يتيمة 3/ 300.
(¬5) المقدسى ص 441 وتحقيق ما للهند من مقولة للبيرونى ص 279.
(¬6) انظر فى احتفالهم بالأعياد كتاب الآثار الباقية للبيرونى ص 215.
(¬7) اليتيمة 4/ 149.
(¬8) تاريخ البيهقى (الترجمة العربية-نشر مكتبة الأنجلو) ص 470 - 471.

الصفحة 506