للهجرة (¬1)، وفى أواخر القرن الرابع بنيت بها مدرسة للمحدّث الكبير ابن فورك (¬2) المتوفى سنة 406 ومدرسة ثانية سميت دار السنة (¬3). وكثر بها بناء المدارس فى النصف الأول من القرن الخامس، إذ بنيت بها مدرسة (¬4) لأبى عثمان الصابونى شيخ الإسلام المتوفى سنة 449 ثم أربع مدارس (¬5): هى المدرسة البيهقية، ومدرسة الإستراباذى المتوفى سنة 440 بناها لأصحاب الشافعى، والمدرسة السّعدية بناها الأمير نصر بن سبكتكين، والرابعة مدرسة بنيت لأبى إسحق الإسفراينى.
ولما أصبحت إيران تابعة للدولة السلجوقية واتخذوا الرىّ حاضرة لهم أخذوا يعنون بالحركة العلمية، ولم يلبث أن وزر لهم فى عهد سلطانهم ألب أرسلان وزيرهم المشهور نظام الملك المولود بطوس سنة 408 وقد التحق بخدمتهم منذ انتصارهم على الغزنويين فى سنة 431 حتى إذا اعتلى ألب أرسلان العرش جعله كبير وزرائه، وكان سياسيا بارعا وله فى السياسة كتاب باللغة الفارسية سمّاه «سياست نامه». وكان شافعى المذهب أشعريا عدوا للإسماعيلية الباطنية، فرأى أن يؤسس مجموعة من المدارس، عرفت كل واحدة منها باسم النظامية، لمحاربة النحلة الإسماعيلية نحلة الحشاشين، ولنشر المذهب الشافعى والنحلة الأشعرية. فبنى ببلخ مدرسة وكذلك بنيسابور وهراة ومرو وأصفهان وآمل فى طبرستان وبالموصل وبغداد. وجميعها تأسست حوالى سنة 457 للهجرة، وكان يدرس فيها بجانب الفقه وعلم الكلام على مذهب الأشعرى علوم التفسير والحديث واللغة والفرائض والأدب والرياضيات وكان يختار لكل منها أستاذا كبيرا. وجعل لأساتذتها مساكن ورواتب منتظمة، ورصد لطلابها نفقات مقدّرة، ووقف عليها جميعا أوقافا كثيرة. وألحق بكل مدرسة مكتبة كبيرة تغصّ بالكتب فى كل علم وفن، ما عدا كتب الباطنية الحشاشين.
والاهتمام بالمكتبات عند العصور السابقة سبق أن عرضنا له وبيّنا اهتمام الدولة والأفراد به، لأنها أداة الثقافة ومنهلها العذب، وظل الاهتمام بها فى هذا العصر، بل تزايد مع ازدهار الحركة العلمية، فكانت هناك مكتبات الورّاقين التى تعرض فيها الكتب للبيع، وكانت تتكاثر فى المدن الكبيرة حتى تصبح سوقا مستقلا. وكانت هناك مكتبات عامة للدولة كمكتبات نظام الملك التى ألحقها بمدارسه المسماة بالنظامية. وكانت فى كل جامع كبير مكتبة تضم ما يقفه العلماء على طلاب العلم فى الجوامع. وكان هناك رعاة للعلم يبنون
¬_________
(¬1) طبقات الشيرازى (طبع بغداد) 121.
(¬2) السبكى 4/ 128.
(¬3) السبكى 4/ 159.
(¬4) السبكى 4/ 290.
(¬5) السبكى 4/ 314.