كتاب تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن (اسم الجزء: 5)

علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: كانوا يستغفرون لأمواتهم المشركين فنزلت هذه الآية فأمسكوا عن الاستغفار فنهاهم ولم ينتهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا،
وقال قتادة: قال رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم: يا نبي الله إن من آبائنا من كان يحسن الجوار ويصل الأرحام ويفك العاني ويوفي بالذمم ألا نستغفر لهم؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: «بلى، وأنا والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه» [65] ، فأنزل الله تعالى ما كانَ لِلنَّبِيِّ أي ما ينبغي للنبي وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ.
وقال أهل المعاني: ما كان في القرآن على وجهين أحدهما بمعنى النفي كقوله تعالى: ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها «1» وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ «2» والأخرى بمعنى النهي كقوله تعالى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ «3» ، وقوله: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا نهي.
مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ بموتهم على الكفر، وتأوّل بعضهم الاستغفار في هذه الآية على الصلاة. قال عطاء بن أبي رباح: ما كنت أدع الصلاة على أحد من أهل هذه القبلة، ولو كانت حبشية حبلى من الزنا لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلّا عن المشركين «4» كقوله: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا الآية، ثم عذر خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ الآية.
قال علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : أنزل الله قوله تعالى خبرا عن إبراهيم صلى الله عليه وسلّم قال: سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا «5» . [قال علي:] سمعت فلانا يستغفر لوالديه وهما مشركان فقلت له: أتستغفر لهما مشركان، قال: أولم يستغفر إبراهيم لأبيه، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلّم فرويت ذلك له فأنزل الله تعالى هذه الآية «6»
، وأنزل قوله تعالى: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ إلى قوله إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ «7» وقوله: إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ يعني بعد موعده.
وقال بعضهم: الهاء في إيّاه عائدة إلى إبراهيم، وذلك إن أباه وعده أن يسلم فعند ذلك
__________
(1) سورة النمل: 60.
(2) سورة آل عمران: 145.
(3) سورة الأحزاب: 53.
(4) تفسير الطبري: 11/ 61.
(5) سورة مريم: 47.
(6) تفسير الطبري: 11/ 60.
(7) سورة الممتحنة: 4.

الصفحة 101