كتاب الطبقات الكبرى ط دار صادر (اسم الجزء: 5)

فَقَالَ أَبُو الطُّفَيْلٍ: وَجَاءَ كِتَابٌ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَرَسُولٌ حَتَّى دَخَلَ الشِّعْبَ , فَقَرَأَ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ الْكِتَابَ , فَقَرَأَ كِتَابًا لَوْ كَتَبَ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى بَعْضِ إِخْوَتِهِ أَوْ وَلَدِهِ مَا زَادَ عَلَى أَلْطَافِهِ , وَكَانَ فِيهِ إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ ضَيِّقَ عَلَيْكَ , وَقَطَعَ رَحِمَكَ , وَاسْتَخَفَّ بِحَقِّكَ حَتَّى تُبَايِعَهُ فَقَدْ نَظَرْتَ لِنَفْسِكَ وَدِينِكَ وَأَنْتَ أَعْرَفُ بِهِ حَيْثُ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ , وَهَذَا الشَّامُ , فَانْزِلْ مِنْهُ حَيْثُ شِئْتَ , فَنَحْنُ مُكْرِمُوكَ وَوَاصِلُوا رَحِمَكَ , وَعَارِفُوا حَقَّكَ , فَقَالَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ لِأَصْحَابِهِ: هَذَا وَجْهٌ نَخْرُجُ إِلَيْهِ. قَالَ: فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ وَمَعَهُ كُثَيِّرُ عَزَّةَ يَنْشُدُ شَعَرًا:
[البحر الرجز]
أَنْتَ إِمَامُ الْحَقِّ لَسْنَا نَمْتَرِي ... أَنْتَ الَّذِي نَرْضَى بِهِ وَنَرْتَجِي
أَنْتَ ابْنُ خَيْرِ النَّاسِ مِنْ بَعْدِ النَّبِي ... يَا ابْنَ عَلِيٍّ سِرْ وَمَنْ مِثْلُ عَلِي
حَتَّى تَحِلَّ أَرْضَ كَلْبٍ وَبَلِي
قَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ: فَسِرْنَا حَتَّى نَزَلْنَا أَيْلَةَ , فَجَاوَرُونَا بِأَحْسَنِ جِوَارٍ , وَجَاوَرْنَاهُمْ بِأَحْسَنِ ذَلِكَ , وَأَحَبُّوا أَبَا الْقَاسِمِ حُبًّا شَدِيدًا , وَعَظَّمُوهُ وَأَصْحَابَهُ , وَأُمِرْنَا بِالْمَعْرُوفِ , وَنُهِينَا عَنِ الْمُنْكَرِ , وَلَا يُظْلَمُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ قُرْبَنَا وَلَا بِحَضْرَتِنَا , فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الْمَلِكِ , فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ , وَذَكَرَهُ لِقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ وَرَوْحِ بْنِ زِنْبَاعٍ , وَكَانَا خَاصَّتَهُ , فَقَالَا: مَا نَرَى أَنْ نَدَعَهُ يُقِيمُ فِي قُرْبَةٍ مِنْكَ وَسِيرَتُهُ سِيرَتُهُ حَتَّى يُبَايِعَ لَكَ أَوْ تَصْرِفَهُ إِلَى الْحِجَازِ , فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ إِنَّكَ قَدِمْتَ بِلَادِي , فَنَزَلْتَ فِي طَرَفٍ مِنْهَا وَهَذِهِ الْحَرْبُ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ كَمَا تَعْلَمُ , وَأَنْتَ لَكَ ذِكْرٌ وَمَكَانٌ , وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ لَا تُقِيمَ فِي سُلْطَانِي إِلَّا أَنْ تَبَايَعَ لِي فَإِنْ بَايَعْتَنِي فَخُذِ السُّفُنَ الَّتِي قَدِمَتْ عَلَيْنَا مِنَ الْقُلْزُمِ وَهِيَ مِائَةُ مَرْكَبٍ فَهِيَ لَكَ وَمَا فِيهَا , وَلَكَ أَلْفَا أَلْفِ دِرْهَمٍ أُعَجِّلُ لَكَ مِنْهَا خَمْسَمِائَةِ أَلْفٍ , وَأَلْفَ أَلْفٍ , وَخَمْسَمِائَةِ أَلْفٍ آتَيْتُكَ مَعَ مَا أَرَدْتَ مِنْ فَرِيضَةٍ لَكَ وَلِوَلَدِكَ , وَلِقَرَابَتِكَ , وَمَوَالِيكَ , وَمَنْ مَعَكَ وَإِنْ أَبَيْتَ فَتَحَوَّلْ عَنْ بَلَدِي إِلَى مَوْضِعٍ

الصفحة 107