كتاب الطبقات الكبرى ط دار صادر (اسم الجزء: 5)

كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْوفُودِ عَلَيْهِ , فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ يَأْذَنُ لَهُ فِي أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ , فَوَفَدَ عَلَيْهِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَهِيَ السَّنَةُ الَّتِي مَاتَ فِيهَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , فَقَدِمَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِدِمَشْقَ , فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ , فَأَذِنَ لَهُ وَأَمَرَ لَهُ بِمَنْزِلٍ قَرِيبٍ مِنْهُ , وَأَمَرَ أَنْ يُجْرَى عَلَيْهِ نُزْلٌ يَكْفِيهِ وَيَكْفِي مَنْ مَعَهُ , وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فِي إِذْنِ الْعَامَّةِ إِذَا أَذِنَ عَبْدُ الْمَلِكِ بَدَأَ بِأَهْلِ بَيْتِهِ , ثُمَّ أَذِنَ لَهُ فَسَلَّمَ فَمَرَّةً يَجْلِسُ وَمَرَّةً يَنْصَرِفُ , فَلَمَّا مَضَى مِنْ ذَلِكَ شَهْرٌ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ كَلَّمَ عَبْدُ الْمَلِكِ خَالِيًا فَذَكَرَ قَرَابَتَهُ وَرَحِمَهُ وَذَكَرَ دَيْنًا عَلَيْهِ فَوَعَدَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ وَأَنْ يَصِلَ رَحِمَهُ , وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْفَعَ حَوَائِجَهُ , فَرَفَعَ مُحَمَّدٌ دَيْنَهُ , وَحَوَائِجَهُ , وَفَرَائِضَ لِوَلَدِهِ وَلِغَيْرِهِمْ مِنْ حَامَّتِهِ وَمَوَالِيهِ , فَأَجَابَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ , وَتَعَسَّرَ عَلَيْهِ فِي الْمَوَالِي أَنْ يَفْرِضَ لَهُمْ وَأَلَحَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ , فَفَرَضَ لَهُمْ فَقَصَّرَ بِهِمْ فَكَلَّمَهُ فَرَفَعَ فِي فَرَائِضِهِمْ , فَلَمْ يَبْقَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَّا قَضَاهَا , وَاسْتَأْذَنَهُ فِي الِانْصِرَافِ فَأَذِنَ لَهُ "
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ , عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ: §وَفَدْتُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ , فَقَضَى حَوَائِجِي وَوَدَّعْتُهُ , فَلَمَّا كِدْتُ أَنْ أَتَوَارَى مِنْ عَيْنَيْهِ نَادَانِي: أَبَا الْقَاسِمِ , أَبَا الْقَاسِمِ , فَكَرَرْتُ , فَقَالَ لِي: أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّكَ يَوْمَ تَصْنَعُ بِالشَّيْخِ مَا تَصْنَعُ ظَالِمٌ لَهُ يَعْنِي حِينَ أَخَذَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ يَوْمَ الدَّارِ فَدَعَثَهُ بِرِدَائِهِ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَلِي يَوْمَئِذٍ ذُؤَابَةٌ "
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ , عَنْ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: §وَفَدْتُ مَعَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَعِنْدَهُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ , فَدَعَا عَبْدُ الْمَلِكِ بِسَيْفِ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلم , فَأُتِيَ بِهِ , وَدَعَا بِصَيْقَلٍ , فَنَظَرَ إِلَيْهِ , فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ حَدِيدَةً قَطُّ أَجْوَدَ مِنْهَا. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَلَا وَاللَّهِ مَا أَرَى النَّاسُ مِثْلَ صَاحِبِهَا , يَا مُحَمَّدُ , هَبْ لِي هَذَا السَّيْفَ , فَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَيُّنَا رَأَيْتَ أَحَقَّ بِهِ فَلْيَأْخُذْهُ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ -[113]-: إِنْ كَانَ لَكَ قَرَابَةٌ فَلِكُلِّ قَرَابَةٍ حَقٌّ. قَالَ: فَأَعْطَاهُ مُحَمَّدٌ عَبْدَ الْمَلِكِ , وَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , إِنَّ هَذَا - يَعْنِي الْحَجَّاجَ وَهُوَ عِنْدَهُ قَدْ آذَانِي وَاسْتَخَفَّ بِحَقِّي , وَلَوْ كَانَتْ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ أَرْسِلْ إِلَيَّ فِيهَا , فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَا إِمْرَةَ لَكَ عَلَيْهِ , فَلَمَّا وَلَّى مُحَمَّدٌ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِلْحَجَّاجِ: أَدْرِكْهُ , فَسُلَّ سَخِيمَتَهُ , فَأَدْرَكَهُ , فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ لِأَسُلَّ سَخِيمَتَكَ وَلَا مَرْحَبًا بِشَيْءٍ سَاءَكَ , فَقَالَ مُحَمَّدٌ: وَيْحَكَ يَا حَجَّاجُ , اتَّقِ اللَّهَ , وَاحْذَرِ اللَّهَ مَا مِنْ صَبَاحٍ يُصْبِحُهُ الْعِبَادُ إِلَّا لِلَّهِ فِي كُلِّ عَبْدٍ مِنِ عِبَادِهِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ لَحْظَةً إِنْ أَخَذَ أَخَذَ بِمَقْدِرَةِ وَإِنْ عَفَا عَفَا بِحِلْمٍ , فَاحْذَرِ اللَّهَ , فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: لَا تَسْأَلْنِي شَيْئًا إِلَّا أَعْطَيْتُكَهُ , فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ: وَتَفْعَلُ؟ قَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي أَسْأَلُكَ صَرْمَ الدَّهْرِ. قَالَ: فَذَكَرَ الْحَجَّاجُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ , فَأَرْسَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى رَأْسِ الْجَالُوتَ , فَذَكَرَ لَهُ الَّذِي قَالَ مُحَمَّدٌ , وَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنَّا ذَكَرَ حَدِيثًا مَا سَمِعْنَاهُ إِلَّا مِنْهُ , وَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ , فَقَالَ رَأْسُ الْجَالُوتَ: مَا خَرَجَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ إِلَّا مِنْ بَيْتِ نُبُوَّةٍ "

الصفحة 112