كتاب الطبقات الكبرى ط دار صادر (اسم الجزء: 5)
وَثَمَانِينَ , فَعَقَدَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِابْنَيْهِ الْوَلِيدِ وَسُلَيْمَانَ بِالْعَهْدِ , وَكَتَبَ بِالْبَيْعَةِ لَهُمَا إِلَى الْبُلْدَانِ , وَعَامِلُهُ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمَدِينَةِ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ , فَدَعَا النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ لَهُمَا فَبَايَعَ النَّاسَ وَدَعَا سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَنْ يُبَايِعَ لَهُمَا , فَأَبَى , وَقَالَ حَتَّى أَنْظُرَ , §فَضَرَبَهُ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ سِتِّينَ سَوْطًا , وَطَافَ بِهِ فِي تُبَّانٍ مِنْ شَعْرٍ حَتَّى بَلَغَ بِهِ رَأْسَ الثَّنِيَّةِ , فَلَمَّا كَرُّوا بِهِ قَالَ: أَيْنَ تَكِرُّونَ بِي؟ قَالُوا: إِلَى السِّجْنِ. قَالَ: وَاللَّهِ , لَوْلَا أَنِّي ظَنَنْتُ أَنَّهُ الصَّلْبُ مَا لَبِسْتُ هَذَا التُّبَّانَ أَبَدًا , فَرَدُّوهُ إِلَى السِّجْنِ وَحَبَسَهُ , وَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُخْبِرُهُ بِخِلَافِهِ , وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ , فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ يَلُومُهُ فِيمَا صَنَعَ بِهِ , وَيَقُولُ: سَعِيدٌ كَانَ وَاللَّهِ , أَحْوَجَ إِلَى أَنْ تَصِلَ رَحِمَهُ مِنْ أَنْ تَضْرِبَهُ؛ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ مَا عِنْدَ سَعِيدٍ شِقَاقٌ وَلَا خِلَافٌ "
قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ , عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ رِفَاعَةَ قَالَ: دَخَلَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِكِتَابِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ يَذْكُرُ أَنَّهُ §ضَرَبَ سَعِيدًا , وَطَافَ بِهِ. قَالَ قَبِيصَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , يُفْتَاتُ عَلَيْكَ هِشَامٌ بِمِثْلِ هَذَا , يَضْرِبُ ابْنَ الْمُسَيِّبِ وَيَطُوفُ بِهِ , وَاللَّهِ لَا يَكُونُ سَعِيدٌ أَبَدًا أَمْحَلَ وَلَا أَلَجَّ مِنْهُ حِينَ يُضْرَبُ , سَعِيدٌ لَوْ لَمْ يُبَايِعْ مَا كَانَ يَكُونُ مِنْهُ , مَا سَعِيدٌ مِمَّنْ يُخَافُ فَتْقُهُ وَلَا غَوَائِلُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ , وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ الْجَمَاعَةِ وَالسُّنَّةِ. وَقَالَ قَبِيصَةُ: اكْتُبْ إِلَيْهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ , فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: اكْتُبْ أَنْتَ إِلَيْهِ عَنْكَ تُخْبِرْهُ بِرَأْيِي فِيهِ , وَمَا خَالَفَنِي مِنْ ضَرْبِ هِشَامٍ إِيَّاهُ , فَكَتَبَ قَبِيصَةُ إِلَى سَعِيدٍ بِذَلِكَ , فَقَالَ سَعِيدٌ حِينَ قَرَأَ الْكِتَابَ: اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ ظَلَمَنِي "
قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْهُذَلِيُّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ السِّجْنَ فَإِذَا هُوَ قَدْ ذُبِحَتْ لَهُ شَاةٌ , فَجَعَلَ الْإِهَابَ عَلَى ظَهْرِهِ , ثُمَّ جَعَلُوا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَضْبًا رَطْبًا , وَكَانَ كُلَّمَا نَظَرَ إِلَى عَضُدَيْهِ قَالَ: §اللَّهُمَّ , انْصُرْنِي مِنْ هِشَامٍ "
الصفحة 126