كتاب مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل - الفكر (اسم الجزء: 5)

--------------------------
فيقع التردد في الترجيح لأن معصية الزمخشري مما يرجع إلى الذات الإلهية ومعصية الحجاج بالجوارح لكنها تتعلق بحق المخلوقين وقد قالت عائشة رضي الله عنها ذنب لا يتركه الله وهو مظالم العباد وذنب لا يعبأ الله به وهو ما بين العبد وبين خالقه وذنب لا يغفره الله وهو الشرك بالله وإن كان في صحة هذا الأثر مقال ذكره عز الدين وكان يتقدم الترجيح أن الحجاج أعظم جرما لأن أفعاله تدل على عدم إيمانه مع كثرته وجراءته على الصحابة والتابعين وخيرة هذه الأمة انتهى. والله أعلم.
وما ذكره فيمن حلف على عمر بن عبد العزيز أنه من أهل الجنة ذكره في العتبية في أول سماع عبد الملك بن الحسن في كتاب الأيمان بالطلاق ونصه قال عبد الملك: وأخبرني غير واحد من المصريين أن ابن القاسم عن رجل قال لامرأته أنت طالق إن لم يكن عمر بن الخطاب في الجنة قال ابن القاسم لا حنث عليه وأخبرني من أثق به عن ابن القاسم في أبي بكر مثل ذلك قال ابن الصلت وسمعت ابن القاسم يقول في عمر بن عبد العزيز مثل ذلك قال ابن رشد: أما من حلف بالطلاق أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما من أهل الجنة فلا ارتياب في أنه لا حنث عليه وكذلك القول في سائر العشرة أصحاب حراء الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة وكذلك من جاء فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق صحيح أنه من أهل الجنة كعبد الله بن سلام فيجوز أن يشهد له بالجنة وأما عمر بن عبد العزيز فتوقف مالك رحمه الله في تحنيث من حلف عليه أنه من أهل الجنة وقال هو إمام هدى وهو رجل صالح ولم يزد على هذا لأنه لم يرد فيه نص يقطع العذر ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم التعلق بظاهر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: "إذا أردتم أن تعلموا ما للعبد عند ربه فانظروا ماذا يتبعه من حسن الثناء" 1 وقوله: "أنتم شهداء الله في أرضه من أثنيتم عليه بخير وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه بشر وجبت له النار" 2 وقد حصل الإجماع من الأمة على حسن الثناء عليه والإجماع معصوم لقوله: "لم تجتمع أمتي على ضلالة" 3 انتهى. وما ذكره البرزلي عن المدارك فيمن حلف أن كل ما في الموطأ صحيح أنه غير حانث ذكره في مختصرها أيضا وقال ابن فرحون في الديباج المذهب لما تكلم على الموطأ وثناء الناس عليه قال: أبو زرعة لو حلف رجل بالطلاق على أحاديث الموطأ التي في الموطأ أنها صحاح كلها لم يحنث ولو حلف على حديث غيره كان حانثا انتهى. والله أعلم.
ـــــــ
1 رواه مالك في الموطأ كتاب حسن الخلق حديث5.
2 رواه البخاري في كتاب الجنائز باب 85. مسلم في كتاب الجنائز حديث 60. الترمذي في كتاب الجنائز باب 63. النسائي في كتاب الجنائز باب 50. ابن ماجة في كتاب الجنائز باب 20. أحمد في مسنده (2/261، 499، 528) (3/179، 186، 197، 245، 281).
3 رواه ابن ماجة في كتاب الفتن باب 8.

الصفحة 357