كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)

والشيء المرتفع تسمّيه العرب (نبيّاً) والنّبْوة: الارتفاع، ومنه قيل لكثيب الرمل: (نبي) أي: لأنه مرتفع، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (¬1):
إِلَى السَّيِّدِ الصَّعْبِ لَوْ أَنَّهُ ... يَقُومُ عَلَى ذرْوَةِ الصَّاقِبِ ...
لأَصْبَحَ رَتماً دُقاقُ الحَصَى ... مَكَانَ النَّبِيِّ مِنَ الكَاثِبِ

يعني بالنبي: كثيِب رمل مرتفع. وهذا معنى قوله: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ} أي: كافيك الله من أمور الدنيا والآخرة فإنه يكفيك أعداءك، ويعينك على من نَاوَأَكَ منهم.
وقوله: {وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} فيه وجهان من التفسير معروفان (¬2): قال قومٌ من علماء التفسير: إن قوله: {وَمَنِ} في محل رفع، وأنه معطوف على لفظ الجلالة، أي: حسبك الله وحسبك من اتبعك من المؤمنين، يعينك الله ويؤيدك الله بالمؤمنين. وهذا مروي عن الحسن البصري. والذين قالوا هذا القول قالوا: هذه الآية مكية جُعلت في سورة الأنفال وهي مدنية بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم، وزعموا أنها نزلت عندما أسلم عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- والنبي وأصحابه مختفون في دار الأرقم ابن أبي الأرقم في مَكَّةَ، وأن عمر أظهر إسلامه حتى صلوا في المسجد، وما كانوا يقدرون، وأن الله
¬_________
(¬1) مضى عند تفسير الآية (158) من سورة الأعراف. ولفظ الشطر الأول في ديوان:
عَلَى الأَرْوَعِ السَّقْبِ لَوْ أَنَّهُ ... .......................................
(¬2) انظر: ابن جرير (14/ 49)، القرطبي (8/ 43)، الأضواء (2/ 416)، ولابن القيم (رحمه الله) تحقيق جيد في معنى الآية ذكره في زاد المعاد (1/ 35).

الصفحة 169