كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
{إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ} العبّاس بن عبد المطلب قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا نبيّ الله: احسب لي العشرين أوقية التي أخذوها منّي، كانت من مالٍ معي. قال: «لاَ، ذَلِكَ مَالٌ أَعْطَانَاهُ اللهُ مِنْكَ فَلاَ نَحْسِبُهُ لَكَ أَبَداً» وضاعف عليه الفداء، وأمَرَهُ بِمُفَادَاةِ ابْنَيْ أَخَوَيْهِ. فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله، لقد تركتني أَتَكَفَّفُ قُرَيْشاً إلى يوم القيامة فَقِيراً. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أَيْنَ المَالُ الَّذِي دَفَنْتَهُ أنْتَ وأم الفَضْلِ لما أرَدْت الخُرُوجَ»؟ فقال له: وما ذلك المال؟ قال له: «الذَّهَب الذي دفنْتَهُ أنت وأمّ الفَضْلِ، وقلت لها: ما أدْرِي ما يُصِيبُنِي فِي وَجْهِي هَذَا، فَإِنْ حَدَثَ بي حَدَتٌ في سَفَرِي هذا فهذا المال لَكِ وَلِبَنِي: الفَضْل، وعبد الله، وعبيد الله، وقثم. ودفنتم المَالَ». فقال: أشهد أنك رَسُول الله، والله ما علم بهذا أحدٌ غيري وغير أمّ الفَضْل (¬1). وهي لُبَابة الصغرى بنت الحارث، أم أولاد العبّاس بن عبد المطلب، وهي هلالية مشهورة. لما أخذوا منهم هذا المال وكان الأسارى يأتون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: نحن مسلمون آمنّا بك وصدّقناك وشهدنا أنك رَسُول الله، ووالله لننصحنّ لك على قومنا، ولا تأخذ منّا شيئاً. فأنزل الله فيهم: {إِن يَعْلَمِ اللَّّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً} (خيراً) هنا جاء مرتين {إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ} الأولى منهما ليست صيغة تفضيل، والثانية منهما صيغة تفضيل، والدليل على أنها صيغة تفضيل اقترانها بـ (من) لأَنّ صِيغَةَ التَّفْضِيل المجردة تُقترن بـ (من) دائماً لفظاً أو تقديراً.
معناه: إن يعلم الله في قلوبكم إسلاماً وإيماناً صَحِيحاً وتصديقاً كما تزعمون يؤتكم خيراً، أي: شَيْئاً أخْيَرَ وأفْضَل مما أُخِذَ منكم مِنَ الفِدَاء.
¬_________
(¬1) تقدم تخريجه عند تفسير الآية (12) من هذه السورة.