كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
عليه {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: آية 38].
{وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ (6)} [التوبة: آية 6].
(إنْ) هي الشرطية. وقوله: {أَحَدٌ}: يقول علماء العربية: إنَّه مَرْفُوعٌ بفعل محذوف يفسره ما بعده. أي: وإن اسْتَجَارَكَ أحدٌ من المشركين؛ لأن {إن} أداة شرط لا تَتَولى إلا الجمل الفعلية، فلا تتولى الجمل الاسمية؛ ولذا يُقَدَّر فِعْلٌ بَعْدَهَا. فـ {أَحَدٌ} عند علماء العربية فاعلُ فعلٍ محذوف يفسرهُ ما بعده (¬1).
والأحد معناه: الواحد، وأصل همزته مبدلة من واو، أصل الأحد: (وَحَد) بواو؛ لأنَّ هذه المادَّة أصلها واوية الفاء، وكثيراً ما تقول العرب في الوَحَدِ: الأحد، وربما نطقت بلفظ الوَحَد على أصله (¬2). ومن ذلك قول نابغة ذبيان (¬3):
كَأَنَّ رَحْلِيَ وَقَدْ زَالَ النَّهَارُ بِنَا ... بِذِي الجَلِيلِ عَلَى مُسْتَأنَسٍ وَحِدِ
وقوله: {اسْتَجَارَكَ} قَدْ قَدَّمنا أنَّ السين والتاء للطلب فمن معاني (استفعل) أنَّ السين والتاء للطلب، كقولهم: «اسْتَغْفر ربه» أي: طلبه المغفرة. و «استطعم» طلب الطعام، و «استسقى» طلب السقيا، و «استنجد» طلب النجدة. وهكذا. فقوله: {اسْتَجَارَكَ} طلب الإجارة منك. والإجارة: هي الأمان. أن تُجِيرَهُ وتُؤَمِّنَهُ من أذَى
¬_________
(¬1) انظر: القرطبي (8/ 77).
(¬2) انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص275.
(¬3) مضى عند تفسير الآية (71) من سورة البقرة.