كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)

الثالث: أنهم بدءوكم بالقتال.
فهذه الأسباب حَرِيَّةٌ بأن يُقاتَل الذين اقترفوها وجاءوا بها. وهذا معنى قوله: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً}.
قد قَدَّمْنَا مِراراً (¬1) أن (القوم) اسم جمع لا واحد له من لفظه، وأنه في الوضع العربي يختص بالذكور دون الإناث، بدليل قوله: {لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ} ثم قال: {وَلاَ نِسَاء مِّن نِّسَاء} [الحجرات: آية 11] وأن المرأة ربما دَخَلَتْ فِي اسْمِ (القَوْم) بحكم التَّبَع إذا اقْتَرَنَ بما يدل عليه، كقوله: {وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ (43)} [النمل: آية 43].
وقال بعض العلماء: سُمِّيَ قوم الرجل قوماً؛ لأنه لا قوام للإنسان إلا جماعة ينضم إليها ويدخل في جملتها. وهذا معنى قوله: {قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ} أي: نقضوا عهودهم، أو نقضوا العهود وأخلُّوا بالأيمان التي حلفوها تَوْكيداً للعهود.
{نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ} [التوبة: آية 13] الجَمَاهِير على أنَّ هَؤُلاَءِ الذين هَمّوا بإخراج الرسول هُمْ كُفَّارُ مَكَّةَ (¬2) حين دَبَّرُوا لَهُ المَكِيدَة التي قَدَّمْنَاها مُوضَّحَة في سورة الأنفال (¬3) في قوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} [الأنفال: آية 30] والله (جل وعلا) نص في بعض الآيات أنهُمْ أَخْرَجُوهُ بالفِعْل؛ لأنهم في الحقيقة اضطروه وألجئُوهُ (صلوات الله وسلامه عليه) إلى
¬_________
(¬1) مضى عند تفسير الآية (80) من سورة الأنعام.
(¬2) انظر: القرطبي (8/ 86)، الأضواء (2/ 430).
(¬3) مضى عند تفسير الآية (30) من سورة الأنفال.

الصفحة 308