كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)

وقرأه شعبةُ عن عاصمٍ: {وعشيراتكم} (¬1) بجمعِ التصحيحِ، جمع عشيرةٍ، وعشيرةُ الرجلِ ثَبَتَ في صحيحِ البخاريِّ وغيرِه ما يدلُّ على أنها تشملُ إلى الجدِّ العاشرِ؛ لأنه ثَبَتَ في الصحيحِ (¬2) أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا نزلَ عليه قولُه تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)} [الشعراء: آية 214] أنه امْتَثَلَهَا فَنَادَى بني فِهْر، وفِهْرٌ هو جدُّه العاشرُ صلى الله عليه وسلم، فَدَلَّ هذا الحديثُ الصحيحُ على أن العشائرَ تشملُ إلى الجدِّ العاشرِ من الرجلِ، وهذا معنَى {وَعَشِيرَتُكُمْ}.
{وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا} الاقترافُ في لغةِ العربِ معناه الاكتسابُ، أموالٌ اكْتَسَبْتُمُوهَا تخافونَ إن سَافَرْتُمْ عنها أن تضيعَ {وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا} تخافونَ إذا هاجرتُم عنها أن تكسدَ ولا تَجِدَ رواجًا وربحًا، وكان بعضُ العلماءِ يقولُ: إن التجارةَ التي يخافُ كَسَادَهَا مَنْ عِنْدَهُ بناتٌ - مثلاً - إذا خرج كَسَدْنَ ولم يَجِدْنَ أزواجًا يتزوجونهن (¬3). والأولُ هو ظاهرُ القرآنِ، وهو ظاهرُ اللغةِ، وإن كان الثانِي قال به جماعةٌ.
{وَمَسَاكِنُ} جَمْعُ الْمَسْكَنِ وهي الديارُ والقصورُ {تَرْضَوْنَهَا} يعنِي ترضونَها سَكَنًا وتحبونَ الإقامةَ وَالسُّكْنَى فيها، إن كان هذا كلُّه
¬_________
(¬1) انظر: المبسوط لابن مهران ص 226.
(¬2) البخاري في التفسير، باب: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (214)} حديث رقم: (4770) (8/ 501) وأخرجه في موضع آخر، انظر حديث رقم: (4971) ومسلم في الإيمان، باب في قوله تعالى {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)} حديث رقم: (208) (1/ 193) من حديث ابن عباس (رضي الله عنهما). وقد جاء نحوه عن أبي هريرة وعائشة وغيرهما رضي الله عنهم أجمعين.
(¬3) انظر: القرطبي (8/ 95).

الصفحة 361