كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)

أحبَّ إليكم من اللَّهِ ورسولِه وجهادٍ في سبيلِه {فَتَرَبَّصُوا} قد ثَبَتَ في الصحيح (¬1) عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه لا يُؤْمِنُ أحدٌ حتى يكونَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أحبَّ إليه من أهلِه وولدِه بل وَمِنْ نفسِه التي بَيْنَ جَنْبَيْهِ، فلا يؤمنُ أحدٌ حتى يكونَ صلى الله عليه وسلم أحبَّ إليه من نفسِه التي بين جَنْبَيْهِ وَمِنْ كُلِّ شيءٍ كائنًا ما كان. وكذلك محبةُ اللَّهِ (جلَّ وعلا)، فالمسلمُ يُحِبُّ اللَّهَ (جلَّ وعلا) ويحبُّ رسولَه صلى الله عليه وسلم. وَاعْلَمُوا أيها الإخوانُ أن العلامةَ الواضحةَ لمحبةِ اللَّهِ ورسولِه هي امتثالُ أَمْرِ اللَّهِ واجتنابُ نَهْيِ اللَّهِ فيما بَلَّغَهُ عنه رسولُه محمدٌ صلى الله عليه وسلم. هذا هو علامةُ المحبةِ.
وَاعْلَمُوا أن كُلَّ مَنْ يَدَّعِي محبةَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وهو يخالفُه أنه كذابٌ، كذابٌ، لا يحبُّ اللَّهَ ولاَ رسولَه، وَمَنْ يُخَالِفُ اللَّهَ فالحبُّ منتقصٌ بقدرِ المخالفةِ، والمحبُّ جِدًّا لا يخالفُ محبوبَه، فعلامةُ حُبِّ اللَّهِ وَحُبِّ رسولِه الواضحةُ والشهادةُ به القاطعةُ هي اتباعُ ما جاء عن اللَّهِ على لسانِ رسولِه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ومصداقُ هذا في كتابِ اللَّهِ: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: آية 31] فمحبةُ اللَّهِ ومحبةُ رسولِ اللَّهِ علامتُها القاطعةُ اتباعُ رسولِ اللَّهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدَّعِي أنه يحبُّ اللَّهَ ويحبُّ رسولَ اللَّهِ ويرتكبُ الأمورَ المخالفةَ لِمَا جاء به رسولُ اللَّهِ عن اللَّهِ فهو كَذَّابٌ، كذابٌ، كذابٌ في دَعْوَاهُ المحبةَ. وهذا أمرٌ معروفٌ عند
¬_________
(¬1) البخاري في الأيمان، باب: حب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان، حديث رقم: (15) (1/ 58)، ومسلم في الإيمان، باب: وجوب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، حديث رقم: (44) (1/ 67)، من حديث أنس (رضي الله عنه). وأخرجه البخاري في الموضع السابق (14) من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه). وقد ذكره الشيخ بمعناه، ولفظه: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» وفي بعض الألفاظ: «من أهله وماله والناس أجمعين».

الصفحة 362